عرض و تقديم لكتاب : المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية
هذا البحث محاولة للمراجعة ... إعادة القراءة لعل هناك ما غفلنا عنه أو نسيناه ... أو تم إخفاؤه عمدا ...
بعضهم سيتهمني ويتهم مؤلف الكتاب ... بالكفر ...
آخرون سيتهمون هذا البحث بأنه غير مخصص للعامة و أنه لأهل الخاصة حصرا.
لكن إلى متى الخوف من الأتباع ... كثرة الأتباع لمذهب لا يدل بحال على صحته ...
بل قد يكون دليل في بطلانه فأكثر أهل الأرض غير مؤمنين بالديانات السماوية أصلا.
ثم ماذا ستخسره ... إذا ما صبرت لتعرف ... أو لتقرأ...
فها قد رأيتْ بالفعل وتعرفتْ على التكفيري ... والجهادي ... والسلفي النصوصي
والسلفي المنفتح ... الأشعري والصوفي ...
ماذا ستخسر بالله عليك إذا ما تعرفت على قوم كانت تهمتهم في تاريخنا المهيب ... هي
العقلانية؟
فإن كنت ممن يعتقدون في الإسلام، ويرون حال المسلمين فيحار أين مكمن الخطأ! :
هذا البحث مقدم لك ...
خطة العرض :
السبب الرئيسي الذي دعاني للإهتمام بقراءة هذا الكتاب أكثر من مرة والتفكير في
عرضه بهذه الطريقة هو أنه أجاب على أسئلة كثيرا ما حيرتني شخصيا ...فحتى لو لم
يقرؤه أحد .. أو يجد فيه أحد فائدة فهو مرجع جيد أردت الإحتفاظ به للعودة إليه كلما
دعت الحاجة ... فأرجوك لا تشعر بالأسف أو الذنب لما أنفقت فيه من مجهود إذا لم
تجد فيه ما يثير إهتمامك.
إن شئت يمكن تسمية هذا العرض بحث مستلهم من الكتاب ... ولا يعني بأي حال من
الأحوال أني أقدم عرضا حرفيا ... للكتاب فالكتاب موجود لمن يريد أن يقرؤه على
موقع الدكتور محمد عمارة.
هذا العرض يستهدف بالأساس من لم يقرأ أو يتعرض للغة كتب التراث من قبل بالتالي
راعيت بقدر ما أستطيع التبسيط وحسن تقسيم الفصول ...
أعدت ترتيب بعض الفقرات ... و نزعت بعض الفقرات من فصولها لأعيد ترتيبها في
فصول أخرى بما يتلائم مع العرض المختصر الذي أردته.
أسقطت باب "السببية" من الكتاب لأني رأيته معقدا وخارج عن السياق إلى حد ما...
وكذلك أبواب "السياسة والحرية" و"الحرية والعدالة الإجتماعية" وأيضا المصادر قد
ذكرها المؤلف كاملة في كتابه ولم أشأ ذكرها هنا للإختصار.
وضعت فهرس مبسط في البداية للقاريء حتى لا يتوه في التفاصيل فهي كثيرة ... و
عميقة ... فأدعوك أخي القاريء للعودة إليه كلما دعت الحاجة أو شعرت ...
بالإستغراق في التفاصيل.
وأخيرا هذا العرض هو أبعد ما يكون عن ذكر مقالات الإسلاميين من الفرق المختلفة
...
بل هو منظور جديد ... أو صوت مختلف لتراثنا العتيد.
---------------------------------------------------------------------------------
الفهرس:
---------------------------------------------------------------------------------
مقدمة المؤلف
عن أهداف و خلفيات الدراسة ... ولماذا الآن.
مجبر أم مختار؟
تعريف مبسط للإختيار والعدل والجبر.
تحليل شرعي/تاريخي/سياسي لنشأة جدلية (الجبر / الإختيار) في الفكر والحياة العربية والإسلامية.
إشكالية مصطلح القدرية.
أهل العدل والتوحيد
تعريف مختصر بمن هم المعتزلة وما هي أصولهم الخمسة وسر التسمية بأهل العدل والتوحيد.
أصالة فكر الحرية والإختيار في تراث العرب و المسلمين.
الجبرية الخالصة.
الجهمية
أهل الحديث - أطلق عليهم المعتزلة اسم "الحشوية".
رأي المعتزلة في الحشوية.
الجبرية المتوسطون.
الأشعرية و الكسب.
المعتزلة ومذهبهم في الحرية و الإختيار.
باب العدل.
-----------
باب التوحيد - تصور تنزيهي للذات الإلهية.
باب التوحيد - وحدة الذات والصفات.
باب التوحيد - رؤية الله مستحيلة.
باب التوحيد -إستحالة الجهة.
باب التوحيد -خلق القرآن.
-----------
باب الوعد والوعيد.
باب المنزلة بين المنزلتين.
باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
خلق الإنسان لأفعاله.
رأي المعتزلة.
رأي ابن رشد.
تعريف الخلق.
اللطف والطبع.
أدوات الحرية الإنسانية
المشيئة.
هل يقع في ملك الله ما لا يريده؟ (إرادة الحتم و إرادة التمكين و التفويض)
شروط الإرادة.
القدرة و الإستطاعة.
توقيت الإستطاعة.
حرية الإنسان الرسول.
حرية الإنسان العادي.
حرية الملائكة.
حرية إبليس.
ماذا لله وماذا للإنسان؟
أفعال الله متصلة .. أفعال الإنسان منقطعة.
خلق الأدوات و إستخدامها.
خلق المواد وتصريفها.
خلق الجوهر وخلق الأعراض.
القدرة الغير متناهية والقدرة المتناهية.
الآجال أيها من الله و أيها من الإنسان؟
الأموال أيها رزق و أيها إغتصاب؟
علم الله والإختيار الإنساني.
الخير والشر!
رأي المجبرة.
رأي الأشاعرة.
رأي المعتزلة.
الهداية والضلال!
رأي المجبرة.
رأي المعتزلة الظاهرية.
رأي المعتزلة المؤولة.
خاتمة.
-----------------
-----------------
مقدمة المؤلف:
في مواجهة خطر السلفية النصوصية و التنكر للعقل والعقلانية و التعبد بظواهر
النصوص. و اعتبار تاريخ السلف و تجاربهم البشرية و إجتهاداتهم الإنسانية قيدا لا
يمكننا الفكاك منه ...
وفي إطار محاولة بعث العقلانية الإسلامية ... المنتصبة على قدمي العقل و النقل.
الدليلين المتآخيين. خلقهما خالق واحد الله سبحانه وتعالى لترشيد وهداية الإنسان خلقهما
لتثبيت الحرية الإنسانية محل أفكار الجبر و الجبرية وشل فعاليات الإنسان ...
ولمكافحة خطر حركة التغريب ... والتفلت من النص ناهيك عن إستلاب هوية الأمة و
تميزها الحضاري وقطع سلسال تواصلها المعرفي مع تراث الأباء و الأجداد لتأبيد
التخلف ...
وفي عصر أفقدت فيه حرية الغرب الإنسان توازنه وإتزانه لتجعل منه حيوان مادي ...
وفي سبيل الخروج من الهزيمة النفسية عن طريق الإعتزاز ... و الشعور بالأصالة ...
لكل هذا ومن أجل كل ما سبق فإن العقلانية الإسلامية هي الأمل ...
الطريق نحو محاولة إدارة عصرية للصراع الفكري ... حول النهضة المنشودة للأمة
العربية و الإسلامية.
نهضة محورها ... الإنسان الحر ... العقلاني ... المسلم.
هذه محاولة لصياغة هذا الإنسان.
-----------------
-----------------
مجبر أم مختار؟؟
هذا ليس بحث نظري أو محاولة أخرى مبتذلة للإجابة عن أقدم الأسئلة التي سألتها
البشرية في التاريخ ... هل نحن مسيرون أم مخيرون؟ ... هذا بحث جاد له تجلياته و
تطبيقاته و آثاره العميقة و المتسعة على حال الإنسان المسلم ... في علاقته اليوم
بالمجتمع و الكون من حوله من ناحية وفي نظرته و تقييمه لتاريخه الإسلامي من
الناحية الأخرى.
ولتكن البداية حول تحرير إبتدائي للمفاهيم ... تشكل نقطة إنطلاق و سرعة إكساب
القاريء والمتابع ... لأجواء عالم التراث وبحرها المتلاطم الأمواج ... وأعتذر عن
البداية الجافة ... فهي ضرورية للإختصار ولأن لدينا أرضا كبيرة لنغطيها وقليل من
الوقت لكي نعلم ونتعلم عن أشياء أمضى فيها من خاض فيها أعمارهم ... و أفنوا فيها
ثمرة جهدهم.
فهلا بدأنا؟!
استعينوا بالله واصبروا ..
-حرية الإختيار ... هي قدرة الإنسان على اختيار أفعاله.
تساوي الإمكانية في الفعل وعدم الفعل.
-العدل ... هو معيار / تحديد الحدود الفاصلة بين فعل الخلق وفعل الخالق ... وقضية
الجزاء والثواب و العقاب.
-الجبر ... هو حكم على الإنسان بأنه بمنزلة الجماد لا إرادة له و لا إختيار لا قدرة
للعبد
أصلا ... فهو وأفعاله وتصرفاته تجلي لإرادة الإله و حسب.
فالجبر بهذا المعنى يحمل نفيا للعدل عن الذات الإلهية ونسبة الجور إلى الله -تنزه عن
ذلك- لأن في حساب الإنسان مثوبته وعقابه على أعمال هو مجبر على إتيانها جورا لا
محالة ، إذ يه تكليف الإنسان مالا يطيق فعله أو يستطيع الفكاك من إتيانه.
ومن ذلك قول علي بن أبي طالب في حث قومه لقتال معاوية بن أبي سفيان وصحبه :
"سيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا جبارين .. يتخذهم الناس أربابا ويتخذون عباد
الله خولا ومالهم دولا"
-تأريخ لبداية نشأة الجبر وظهوره في الفكر والحياة العربية الإسلامية:-
قال المعتزلة أن : "أول من قال بالجبر و أظهره .. معاوية .. و أنه أظهر أن ما يأتيه
بقضاء الله ،ومن خلقه ليجعله عذرا فيما يأتيه، ويوهم أنه مصيب فيه، و أن الله جعله
إماما وولاه الأمر. وفشا ذلك في ملوك بني أمية".
وشكل هذا البدايات الكبرى و المنظمة في القول بالجبر بعد ظهور الإسلام و إستقراره
في صورة أفكار ذات أهداف سياسية تحاول أن تتخذ لها مسحة من عقائد الإسلام وذلك
حتى تبرز أمام الناس تلك التحولات السياسية التي نقلت الخلافة الشورية التي أقامها
المسلمون بعد وفاة النبي إلى نظام شبه ملكي على يد معاوية.
فأطلق هؤلاء المجبرة هلى أنفسهم ... أنهم أهل السنة و أهل الجماعة وشاعت عند
عامة المسلمين وجماهيرهم التفسيرات التي تجعل كلمة "السنة" هنا بمعنى سنة الرسول
صلى الله عليه و سلم وتجعل كلمة "الجماعة" منصرفة إلى جماعة المسلمين ولكن
المعتزلة يسمون هذه الفرق بالجبرية و المجبرة و المجورة و أهل الحشو ويقولون إنهم
يسمون بذلك لقولهم بالجبر و يسمون مجورة لإضافتهم كل جور إلى الله تعالى ويسمون
القدرية لإضافتهم كل قبيح إلى قضاء الله وقدره ... ويسمون بأهل السنة و أهل الجماعة
و أهل الحق و إنما وقع عليهم هذا الإسم لأن معاوية لما أمر بلعن علي بن أبي طالب
على المنابر زعم أنه سنة ... سميت تلك السّنَة: سَنةُ السُنّة .. ولما قتل علي واعتزل
الحسن و استقر الامر لمعاوية ... سموة تلك السّنَة ... سّنَة الجماعة".
وهم بذلك يرفضون أن يكون الجبر هو فكر السلف أو نهج السنة أو عقيدة الإسلام.
ومن الجدير بالذكر أن العرب كانو جبرية أي يقولون بالجبر قبل الإسلام ... و الإسلام
جاء فغير هذا الموقف وقرر الحرية و الإختيار للإنسان.حيث روي عن الحسن
البصري أنه كان يقول" إن الله قد بعث محمدا -صلى الله عليه و سلم- إلى العرب وهم
قدرية مجبرة يحملون ذنوبهم على الله ويقولون إن الله -سبحانه- قد شاء ما نحن فيه و
حملنا عليه وأمرنا به فقال عزوجل :(وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله
أمرنا بها قل: إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالاتعلمون؟!)
أي أن القرآن انتصر لحرية الإنسان و اختياره في وجه القدرية الجبرية وهذا قبل نشأة
علم الكلام في الفكر الإسلامي أصلا.
و أيضا روي أن رجلا من "خشعم" قال للرسول -عليه الصلاة و السلام- متى يرحم الله
عباده؟ فقال: "مالم يعملوا المعاصي ثم يقولوا إنها من الله"و أيضا حين سأل بعض
الصحابة رسول الله : "فلأي شيء نعمل وقد فرغ الأمر؟!" فقال الرسول عليه السلام :
"فكل ميسر لما خلق له ..."
أي أن ما كتب على الإنسان و علم من أمره لا يخرجه عن أنه حر ميسر له سلوك
الطريق الذي يريد ويختار...
-القدرية : كلمة حاول كل من المجبرة و المعتزلة نفي الإتصاف بها عن النفس ... و
إلصاق الإتصاف بها للخصوم فالمجبرة وصفوا بها المعتزلة لأنهم نسبوا القدر إلى
الإنسان ... و المعتزلة وصفوا بها المجبرة لأنهم نسبوا القدر إلى الله والذي دعا
الفريقين للبراءة من التسمية بهذا الإسم تسليمهم بحديث الرسول الي يقول فيه : "القدرية
مجوس هذه الامة".
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم "الرفق من الله و الخرق من الشيطان والتأني من
الله و العجلة من الشيطان ..."
و أيضا قال : "ماكان من العين و القلب فمن الله ... وما كان من اليد و اللسان فمن
الشيطان"
وأيضا قال : "لا تحملوا على الله ذنوبكم .."
وكان يناجي ربه : "والخير بيديك و الشر ليس إليك"
وروى المعتزلة عن رسول الله الحديث الذي يقول فيه:" لعنت القدرية و المرجئة على
لسان سبعين نبيا.. قيل له ومن القدرية يا رسول الله قال : قوم يزعمون أن الله قدر
عليهم المعاصي وعذبهم عليها والمرجئة : قوم يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل"
وروى معارضي المعتزلة أيضا عن رسول الله الحديث الذي يقول فيه : " إذا ذكر
القضاء فأمسكوا و القدر سر الله فلا تفتشوا عنه وهو بحر لا تغرقوا فيه ..."
ورد عليهم المعتزلة أن خبر آحاد لا يصح الأخذ به فيما "ثبت بالعقل خلافه" و حتى لو
صح فليس المراد ظاهر النهي ... إذ قد ثبت عنه صلى الله عليه و سلم أنه ذكر القدر
وتكلم فيه وكذلك الصحابة.
فكل الفرقاء متفقون على أن عهد رسول و زمن البعثة قد شهد جدلا و إختلافا حول فعل
الإنسان وهل هو مجبر في هذا الفعل أم حر مختار؟ وكذلك الحال على زمن الخلفاء
الراشدين أيضا.
حينما سئل أبو بكر الصديق عن "الكلالة" قال : "أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن
الله و إن كان خطئا فمني و من الشيطان"أي أنه نسب إلى الإنسان فعلا و كذلك
الشيطان و قام بتنزيه الله عن "الجور" عندما برأه من فعل المعاصي.
كذلك حال عمر بن الخطاب حين أتى بسارق فقال" لم سرقت؟ قال : قضى الله علي
فأمر به فقطعت يده وضرب أسواطا فقيل له في ذلك ... فقال : القطع للسرقة و الجلد
لما كذب على الله".
كذلك حال عثمان أثناء الثورة عليه حينما حاصر الثوار بيته عندما رموه ثم قالوا : "الله
يرميك" فأجابهم: "كذبتم ... لو رماني ما اخطأني".
أما علي بن أبي طالب فجاءه شيخ يسئله عن الخروج والقتال ضد معاوية بن أبي
سفيان وهل هو قضاء وقدر؟
فقال له الإمام علي :"نعم هو قضاء وقدر" .. فقال له الشيخ : "ماأرى لي من الامر
شيئا إن كان ذلك بقضاء وقدر".
رد عليه علي :"لعلك ظننت قضاءا لازما وقدرا حتما لو كان كذلك لبطل الثواب و
العقاب و الأمر و النهي وسقط الوعد والوعيد ولم يكن المحسن أولى بالمدح من
المسيء ولا المسيء بأولى من الذم من المحسن ... تلك مقالة عبدة الأوثان و
جنودالشيطان وشهود الزور ... وهم قدرية هذه الأمة ومجوسها ... إن الله سبحانه أمر
عباده تخييرا ونهاهم تحذيرا ... إلخ إلخ"
ويقول المعتزلة أنهم أخذوا بسلسلة أفكارهم تلك عن الإمام علي تواترا ... عن طريق
تتلمذ واصل بن عطاء الله على يد أبي هاشم بن محمد بن الحنفية عن أبيه أمير
المؤمنين علي -كرم الله وجهه.
فملخص ما سبق أن ما وقع في علم الله من أفعالنا ... لم يحملنا الله على فعلها.
و أيضا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " مثل علم الله فيكم كمثل السماء التي
أظلتكم و الارض التي أقلتكم فكما لا تستطيعون الخروج من السماء و الأرض فكذلك لا
تستطيعون الخروج من علم الله وكما لا تحملكم السماء و الأرض على الذنوب كذلك لا
يحملكم الله عليها"
إلى غير ذلك من النصوص لمن يريد أن يبحث عنها ...
فما نود الوصول إليه إلى أن المستقر في حياة العرب قبل الإسلام كان فكر الجبرية و جاء
الإسلام ليؤسس الحرية و الإختيار ... ثم طرأ من بعد ذلك وضع سياسي قام بإرساء
قواعده معاوية بن أبي سفيان جعل الفكر الجبري يعود إلى الإنتعاش و الإنتشار من
جديد.
-----------------
-----------------
أهل العدل و التوحيد وفي القلب منهم المعتزلة و أصولهم الخمسة:
1- العدل: حرية الإنسان و إختياره و قدرته على خلق أفعاله و اختراعه لها.
2- التوحيد : تنزيه الذات الإلهية عن المشابهة و المماثلة للمخلوقات والمحدثات بما في
ذلك نفي الصفات الزائدة عن ذات الخالق. فهو تصور للذات الإلهية أشبه ما يكون بالفكرة
المجردة أو القانون الذي يحكم هذا الوجود. ومن هذا القول بخلق القرآن حتى لا يكون
قديم آخر غير الله.
3- الوعد والوعيد: صدق وعد الله لأهل الطاعة ووعيده لأهل المعاصي. الإيمان(الفكر)
شديد الإرتباط بالعمل(التطبيق)
4-المنزلة بين المنزلتين: الحكم على مرتكبي الكبائر من يموت منهم دون توبة بالخلود
في النار وتسميتهم فسقة في مرتبة أدنى من المؤمنين و أعلى من الكفار.
5-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : المشاركة الإيجابية من كل مسلم مؤمن في
تقويم المعوج من أمور الحياة العامة ونظم المجتمع الذي يعيش فيه المؤمنون.
سموا بأهل العدل و التوحيد لأن الوعد والوعيد ،والمنزلة بين المنزلتين، و الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر داخلة تحت أصل العدل و متضمنة فيه.
ولهذا سموا أحيانا بالعدليين فقط مما يدل على محورية هذا الأصل لديهم و خاصة في
البحث و الجدل حول مشكلة حرية الإنسان.
وهم ليسوا فرقة انفردت بمقالاتها و أرائها وحدها فحسب ...
بل يكفي أن نعلم أن مع المعتزلة في القول بالعدل و الإنتصار لحرية الإنسان و اختياره
فرقا كثيرة ومدارس عدة ... منها مثلا:
- في الخوارج: فرق "الميمونية" و "الحمزية" و "الخلفية" و "أصحاب السؤال" و
"أصحاب حارث الإباضي".
- في الشيعة: تيار كبير من "الشيعة الإمامية" من أعلامهم في كتب طبقات المعتزلة
الحسن بن علي بن أبي طالب والحسين بن علي بن أبي طالب و الحسن بن الحسن
وعبدالله بن الحسن بن الحسن و النفس الزكية محمد بن عبد الله بن الحسين بن الحسن
و أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية و الحسن بن محمد بن الحنفية ومحمد بن علي
بن عبد الله بن عباس و الحسن بن موسى النوبختي والشريف المرتضى إلخ.
- الشيعة الزيدية: كلهم منذ عهد إمامهم زيد بن علي إلى أن تحول فكرهم إلى مسخ
مشوه على يد أسرة حميد الدين. و الزيدية يعظمون أئمة الإعتزال أكثر من تعظيمهم
أئمة أهل البيت.
- من أعلام أهل السنة: الحسن البصري على رأسهم.
ومن يقرأ عن المعتزلة و وطبقاتهم الأولى في (شرح عيون المسائل) للحاكم أبي سعد
يعلم كيف كانت نشأةهذا الفكر مبكرة جدا في تاريخ الحياة الفكري عند العرب المسلمين
وذلك قبل أن تكون لأفكار اللاهوت المسيحي أي تأثيرات في هذه الحياة وقبل أن تعرف
الحياة الفكرية للعرب الترجمة وتأثيراتها ... حيث ظلت حركة الترجمة بعيدة عن
الإنسانيات والإلهيات اليونانية حتى العصر العباسي تقريبا.
فحتى نهاية عصر هارون الرشيد في نهاية القرن الثاني الهجري لم يحدث مجهود جدي
في الفلسفة أصلا لأن أرسطو حتى هذا الوقت كان في نظر العرب حجة في المنطق
فحسب.
كل ذلك يشهد بأصالة فكر الحرية و الإختيار في تراث العرب المسلمين.
فكرية "الجبر و الإختيار" و أثرها في تشكيل عقل الأمة و سلوكها من أهم مفاتيح
دراسة الشخصية العربية و الإسلامية ... عبر التاريخ الطويل.
تحديد ملامح هذه الشخصية خطوة في سبيل التخطيط الحضاري للمستقبل فضلا عن
التقييم الموضوعي لصفحات التاريخ.
لا أظن المرء يعجب إذا عرف اليوم أن ملامح الفكر الجبري قد كانت لها الغلبة في
معظم فترات تاريخنا الإسلامي.
فإذا ما علمنا أن فكرية "الإختيار" ومدرسة المعتزلة لم يكن لها في عصورنا السابقة
حظ السيادة في بلادنا ... أدركنا ضرورة إعادة المراجعة في هذا الباب اليوم وهذا هو
غرض هذا العرض لكتاب د.محمد عمارة الشيق والمجهد في آن.
هي إذن دراسة نقدية بالأساس ودعوة للمثقفين و المفكرين ... لنضال يستهدف إزالة ما
في شخصية أمتنا من عيوب وسلبيات وتأكيد ما فيها من إيجابيات وتنمية هذه
الإيجابيات.
--------------------------
--------------------------
الجبرية الخالصة.
نرى مثلا في فرقة الجهمية "أتباع الجهم بن صفوان" : "أنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا
لله وحده وأنه هو الفاعل و أن الناس إنما تنتسب إليهم أفعالهم على المجاز" ... و"أن
العبد ليس بقادرٍ البتة و مثل الإنسان عندهم فيما يتعلق بالفعل والحرية و الإختيار كمثل
الريشة المعلقة في الهواء تميلها الريح حيث شاءت دون أن يكون له تأثير"
سميت الجهمية ب"الجبرية الخالصة" تمييزا لها عن "الجبرية المتوسطة" التي نشأت
على يد "الأشعري" -عقيدة أهل الأزهر معظمهم أشاعرة- لأن الجبرية المتوسطة تثبت
للعبد "كسبا" في محاولة منها لإتخاذ موقف وسط بين الجبر الجهمي والإختيار
الإعتزالي. تفاديا للحرج في نسبة التجوير إلى الله.
بينما قالت الجهمية: "لاقدرة للعبد أصلا لا مؤثرة ولا كاسبة بل هو بمنزلة الجمادات
فيما يوجد منها".
ومن الفرق التي تؤمن وقالت بالجبر : "أهل الأثر و أصحاب الحديث" .. وهم السلفية
بلغتنا المعاصرة.
وسموا بأهل الأثر و أصحاب الحديث لأخذهم بالمروي والمنقول والدليل السمعي على
ظاهره وفضهم إعمال العقل في تأويل ظواهر هذه النصوص بما يوافق فكر العدل
والتوحيد و الأصول الخمسة لأصحابه.
وقالوا في الموضوع:" إن أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله -نفي الإستطاعة
والقدرة عن الإنسان- أو يكون أحد يقدر أن يخرج عن علم الله أو أن يفعل شيئا علم الله
أنه لا يفعله و أقروا أنه لا خالق إلا الله ... و أن سيئات العباد يخلقها الله و أن أعمال
العباد يخلقها الله -عز و جل- و أن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئا و أن الله -سبحانه-
وفق المؤمنين لطاعته و خذل الكافرين وهم يؤمنون أنهم لا يملكون نفعا ولا ضرا إلا ما
شاء الله كما قال -سبحانه كما يرون طاعة الإمام -كل إمام- برا وفاجرا ويرون الدعاء
لأئمة المسلمين بالصلاح و ألا يخرجوا عليهم بالسيف وألا يقاتلوا في الفتنة-الثورة-".
وهم بذلك يخالفون أهل العدل والتوحيد في كل أصولهم الخمسة تقريبا.
يسمي المعتزلة هذه الفرقة ب"الحشوية" ... و "أهل الحشو".
ويقولون عنهم "أنهم يسمون أنفسهم أصحاب الحديث و أنهم أهل السنة و الجماعة وهم
بمعزل عن ذلك وليس لهم مذهب معروف ولا كتاب تعرف منه مذاهبهم إلا أنهم
مجمعون على الجبر والتشبيه و يدعون أن أكثر السلف منهم وهم برئاء من ذلك و
ينكرون الخوض في الكلام و الجدل ويقولون على التقليد وظواهر الآيات"
من أبرز أئمة أصحاب الحديث ... أحمد بن حنبل صاحب كتاب "الرد على الزنادقة
والجهمية" والذي امتحنه المعتزلة في الصراع الفكري الذي دار حول القول بقدم القرآن
أو خلقه.
---------------------
---------------------
الجبرية المتوسطون.
أما الأشعرية "الجبرية المتوسطون" فرفضوا أن يكون الإنسان فاعلا وقادرا وخالقا
لأفعاله ... لكنه اعترف بأن للإنسان قدرة على "كسب الأفعال".فهم اتخذوا لأنفسهم
مذهبا وسطا.
ومن أئمة هذه المدرسة غير أبي الحسن الأشعري ... الإمام الجويني و الإمام أبو حامد
الغزالي و هم من مُنظّري مدرسة المقاصد في الفكر الإسلامي.
كما اعتقدت بعقائد الأشعري هذه أغلبية جماهير المجتمع الإسلامي.
رأيهم بإختصار أن الإنسان قادر وليس بخالق لأفعاله ... أي أنهم يثبتون للإنسان قدرة
و إستطاعة ولكن عند التعمق في رأيهم هم يرون أن الإستطاعة المؤثرة في الفعل
حقيقة هي القوة الواردة من الله تعالى ... و الإنسان فقط لديه الإستعداد لأن يكون محلا
للفعل الذي يخلقه الله فيه.
وهذا جوهر نظرية "الكسب" خاصتهم ... فهم لا يختلفون عن المجبرة الخلص إلا في
التسمية.
فهم يرون الإنسان فاعلا لأفعاله على سبيل المجاز فقط ... لا على سبيل الحقيقة.
ففي الحقيقة كل الأفعال مخلوقة لله.
وتنكر الأشعرية ... مبدأ السببية ويثبتون مبدأ العادة و الإطراد.
في الاخير فكرتهم عن الكسب هي لم تكن أكثر من محاولة لإيجاد شيء يستطيعون به
نفي "الجور" عن الذات الإلهية دون أن يعني هذا ... أن "الكسب" يعطي الإنسان
إمكانيات الفعل أو الترك ... أو شيئا ذا قيمة من الحرية و الإختيار.
فالكسب هو مجرد"عملية الإقتران" بين فعل الله والعبد الذي يظهر عليه و منه فعل الله.
فليس للإنسان قدرة تأثير. الله وحده يختص بهذا.
ورأى المعتزلة في "نظرية الكسب" أنها مثل أمر الإنسان المرمي أو الساقط من أبعاد
شاهقة بالنزول ... فهو لا يستحق على النزول المدح ولا الذم ولا الثواب أو العقاب ...
لأنه لا يمكنه الفكاك من السقوط الحر ... نفس الأمر مع الكسب.
وبسبب هذا الإضطراب وغيره شاع عند العلماء غموض نظرية الكسب لدى الأشعرية
حتى ضرب بها المثل فقيل :"أخفى من الكسب عند الأشعري"
---------------
---------------
المعتزلة ومذهبهم في الحرية و الإختيار.
أما المعتزلة وحقيقة مذهبهم فيما يخص بحث مشكلة الحرية الإنسانية من خلال أصول
المعتزلة الخمسة فيمكن تلخيصه فيما يلي:
1-في باب العدل : هو يرون إثبات القدرة و الإرادة و المشية و الإستطاعة للإنسان
ونسبة أفعاله إليه على سبيل الحقيقة لا المجاز ومن ثم إعتبار الجزاء من ثواب وعقاب
جزاءا وفاقا لما قدمته يد الإنسان المكلف من أعمال ومن ثم نسبة العدل -لا الجور- إلى
الذات الإلهية.
2- في باب التوحيد: يمكن تقسيم جهد المعتزلة في هذا الباب إلى الفصول الآتية:
****تصور تنزيهي للذات الإلهية:
وهو ما اجتهدوا به المعتزلة في إطار البعد عن فكرة "المشبهة" "الحشوية" الذين
عجزت عقولهم عن أن تسمو بتصور الذات الإلهية عن حدود المحدثات و المخلوقات.
وفيه أنه أجمعت المعتزلةعلى أن "الله واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وليس
بجسم ولا شبح و لا جثة ولا صورة و لا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عرض
ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا مجسة ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا
يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع ولا افتراق ولا يتحرك
ولا يسكن ولا يتبعض وليس بذي أبعاض ولا أجزاء وجوارح و أعضاء وليس بذي
جهات ولا بذي يمين وشمال و أمام وخلف وفوق وتحت...ولايحيط به مكان ولا يجري
عليه زمان ولا تجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول في الأماكن ولا يوصف لأنه
متناه ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات وليس بمحدود ولا والد ولا مولود ولا
تحيط به الأقدار ولا تحجبه الأستار ولا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه
الخلق بوجه من الوجوه ولا تجري عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ما خطر
بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له لم يزل أولا سابقا متقدما للمحدثات موجودا قبل
المخلوقات ولم يزل عالما قادرا حيا ولا يزال كذلك لا تراه العيون ولا تدركه الأبصار
ولا تحيط به الأوهام ولا يسمع بالأسماع شيء لا كالأشياء عالم حي قادر لا كالعلماء
القادرين الأحياء و أنه القديم وحده ولا قديم غيره وإله سواه ولا شريك له في ملكه ولا
وزير له في سلطانه ولا معين على إنشاء ما انشأ و خلق ما خلق لم يخلق الخلق على
مثال سبق وليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء آخر ولا بأصعب عليه منه لا
يجوز عليه اجترار المنافع ولا تلحقه المضار ولا يناله السرور واللذات ولا يصل إليه
الأذى و الآلام ليس بذي غاية فيتناهى ولا يجوز عليه الفناء ولا يلحقه العجز والنقص
تقدس عن ملامسة النساء و عن إتخاذ الصاحبة و الأبناء --- "
وهي أوصاف جميعها بالسلب مما يجعلها أكثر تصويرا لموقفهم الذي بلغ في التوحيد و
التنزيه حد "التجريد" لذلك سماهم أحيانا خصومهم ب"المعطلة".
****وحدة الذات والصفات:
رفض تام لأي نوع من أنواع الفصل أو التعدد بين صفات الله وبين ذاته ... لأن الله
قديم.
وصفة القديم مثله في القدم.
فإذا كانت شيئا غيره كان هناك قديمان أو أكثر وهو تعدد ينافي التوحيد.
فهم لم ينكروا الصفات كما شنع عليهم خصومهم و كما فعلت المعطلة، و إنما قالوا
بوحدة الذات والصفات.
فلله "قدرة" و"علم" ولكنهما عين "ذاته".
****رؤية الله مستحيلة:
سواء في الحال أو في المستقبل ... وهذا متسق مع التنزيه الذي قالوا به سواء بالكيفية
المعروفة للرؤية أو بأية كيفية سواها...
وهم في ذلك يرون في الآيات التي يدل ظاهر لفظها على إمكان رؤية الأبصار
المخلوقة و المخلوقات للخالق آيات "متشابهات" يجب أن تؤول وترد إلى معنى الآيات
المحكمات"
في القرآن التي تنفي إمكان حدوث ذلك ... مثل قوله تعالى:
(لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار).
وهم أولوا (وجوه يومئذ ناضرة-أي مشرقة حسنة- إلى ربها ناظرة) أي أنها منتظرة ثوابه
وكرامته ورحمته وما يأتيهم من خيره وفوائده.
وما دعاهم لإتخاذ هذا الموقف هو فهمهم لمبدأ الرؤية و الجهة أصلا ... وتنافيها مع
مبدأ التنزيه الذي وضعوه.
فقالوا :"وكيف يرونه بالأبصار وهو لا محدود ولا ذو أقطار؟؟ّ!! ... و من أدركته
الأبصار فقد أحاطت به الأقطار ومن أحاطت به الأقطار كان محتاجا إلى الأماكن و
كانت محيطة به و المحيط أكثر من المحاط به و أقهر بالإحاطة".
وهم اتفقوا في إنكار رؤية الله بالأبصار ولكن اختلفوا فيما بينهم حول إمكان رؤيته
بالقلوب ...
وكل ذلك دليل على سمو المستوى العقلي الذي كان عليه مفكروا هذه المدرسة عن
الإنحطاط إلى درك الذين لا يؤمنون إلا بما هو متصور أو محسوس أو له في المحدثات
نظير وشبيه.
****استحالة الجهة:
بمعنى أن يجيء الله من مكان إلى مكان كما في قوله (وجاء ربك و الملائكة صفة صفا)
فهم أولوها ولم يأخذوها على ظاهرها فهم يرون الله لا زائل ولا حائل ولا منتقل من
مكان إلى مكان أو جاء من مكان إلى مكان بل هو شاهد كل مكان ولا يحويه
مكان وهو عالم كل نجوى وحاضر كل ملأ.
وهذا لأنه يرون بالعقل ... أن "الزائل مدبِّر محتاج ... لولا حاجته إلى الزوال لم يزل"
مثال لفهم القضية ...
أنهم مثلا يرون أن الفوقية التي عناها القرآن في قوله تعالى : (وفوق كل ذي علم عليم) لا
تعني المكانية بل هي مجاز متعلق بالعلم الإلهي فهو العليم الذي فوق ذوي العلوم
أجمعين.
وهكذا نفوا جميعا المكانية و التحيز و الجهة.
****خلق القرآن: أو المشهورة "بمحنة ابن حنبل"...
ذلك أن المعتزلة وقد رأوا في القول بقدم القرآن شبهة وجود قديم مع الله وهو ما ينافي
التوحيد ... والجدير بالذكر أن المعتزلة لم يكونوا أول من قال بخلق القرآن ... فقد
سبقهم الجعد بن درهم-أنكر قدم كلام الله و أن يكون له كلام يشبه كلام البشر- قبل تبلور
المعتزلة أصلا كمدرسة على يد واصل بن عطاء الله ولفهم المصطلح ... فالأشياء عند
المعتزلة شيئين ... إما خالق "قديم" أو مخلوق ... فلو تعدد القدماء تعدد الخالقين ..
بالتالي انتفى التوحيد. هذا كان مدخلهم للقضية.
ويكفي أن تعلم أن النصارى استندوا إلى عقيدة "قدم الكلمة" -المسيح- الذي هو عندنا
في القرآن "إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ
مِنْهُ.." استندوا إلى تلك العقيدة في تأليه عيسى بن مريم.
فرأى المعتزلة في القول بقدم القرآن ما يشبه القول بقدم الكلمة. ومن ثم كان قولهم بخلق
القرآن كان ردا على ركن من أركان المسيحية وهو الإعتقاد أن المسيح هو كلمة الله
الأزلية.
فقالوا مثلا في قوله-سبحانه- : "وكلم الله موسى تكليما" :" إن المشبهة قد ذهبت إلى أن
الله تعالى عما قالوا علوا كبيرا يكلم بلسان وشفتين وخرج الكلام منه كما خرج من
المخلوقين فكفروا بالله العظيم حين ذهبوا إلى هذه الصفة ... و معنى كلامه -جل ثناؤه-
لموسى - صلوات الله عليه - عند أهل الإيمان والعلم أنه أنشأ كلاما خلقه كما شاء
فسمعه موسى - صلى الله عليه وسلم- وفهمه وكل مسموع من الله مخلوق لأنه غير
الخالق له. و إنما ناداه الله فقال :(إني أنا الله رب العالمين) والنداء غير المنادِي و
المنادِي بذلك هو الله والنداء غيره وما كان غير الله مما يعجز عنه الخلائق فمخلوق
لأنه لم يكن ثم كان بالله وحده لا شريك له.
وكذلك عيسى -صلوات الله عليه- كلمة الله وروحه وهو مخلوق كما قال الله وكذلك قرآن
الله وكتب الله كلها ... قال -جل ثناؤه- (إنا جعلناه قرآنا عربيا) يريد : خلقناه. كما قال :
(جعلهم من نفس واحدة وجعل منها زوجها) يقول : خلق منها زوجها.
وقال جل ثناؤه- :
(وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم وأسروا
النجوى) فكل محدث من الله فمخلوق لأنه لم يكن فكان بالله تعالى وحده لا شريك له"
في كل هذا ... هم متسقون مع أنفسهم في تصورهم التنزيهي لله سبحانه وتعالى ... وفي
مقاومتهم فكر الحشوية المشبهة.
ففي التوحيد إذن تحرير للعقل الإنساني من كثير من الأمور والمعتقدات التي لا يهضمها
هذا العقل وبخاصة إذا بلغ قدرا من الإستنارة و التفكير ... و من باب أولى فإن نقاء
التصور التوحيدي التنزيهي عند المعتزلة هو تأكيد و حرص و تنمية لهذا القدر من
التحرر الذي منحه التوحيد لعقل الإنسان.
فالصلة بين القول بخلق القرآن وبشرية كتابته ولغته وحروفه و أصواته إلى جانب
مباحث أخرى لأهل العدل والتوحيد في موضوع الوحي ... إلخ ... إن الصلة بين هذه
الأفكار و تلك المباحث وبين تحرير العقل الإنساني من الإيمان بأمور لا يستقيم الإيمان
بها مع برهان العقل ومعاييره في التفكير ... مسألة واضحة كل الوضوح.
3- في باب الوعد والوعيد:
-الوعد: من أطاع الله دخل الجنة.
-والوعيد: من عصاه دخل النار.
وفي هذا المضمار أثبتوا للرسول الشفاعة ولكن في حق المؤمنين دون الفسقة. فهي لا
تفيد الإخراج من النار إلى الجنة. و إنما يقتصر أثرها على رفع الدرجات للمؤمنين في
النعيم.
فهم يرون أن من دخل النار فهو مقيم فيها غير خارج منها.
فهم في هذا متسقين مع قولهم بحرية الإنسان .. وبمسئوليته عن أفعاله و أعماله المكلف
بها .. و قولهم بالعدل أيضا.
4-المنزلة بين المنزلتين:
فعندهم من مات مرتكبا لذنب من الذنوب الكبائر دون أن يتوب منه وعنه فهو من أهل
النار الخالدين فيها وهو ليس بمؤمن -قول المرجئة- وليس بكافر-قول الخوارج- وليس
بمنافق -قول الحسن البصري- ... و إنما هو في منزلة بين منزلتي المؤمن و الكافر..
فهو فاسق.
قال الله (بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان و من لم يتب فأولئك هم الظالمون)
وهذه المنزلة و إن لم تخرجه من النار إلا أنها تعطيه قدرا من عذابها دون القدر المقرر
للكافرين.
هذا فيمن أتى الكبيرة عن هوى وشهوة ... أما من أتى الكبيرة عن إستحلال لها ... فهو
كافر كفرا صريحا.
وموقفهم هذا الموقف تبلور تبلورا سياسيا بالدرجة الأولى في صراع سياسي كان
محتدما في ذلك التاريخ ضد الامويين ولم يكن مجرد موقف من الإنسان العادي الذي
يرتكب ذنبا من الذنوب الكبائر ثم يموت دون أن يتوب منه إلى الله. حيث كانت القضية
يومئذ هي الموقف من ولاة بني أمية و أمرائهم و من المظالم التي يرتكبون؟؟؟
فقال عنهم المرجئة: مؤمنون لا يصح الخروج عليهم.
والخوارج قالوا عنهم : كفار فأخرجوهم من إطار الجماعة المسلمة.
و المعتزلة قالوا عنهم: فسقة في إطار الجماعة المسلمة ليسوا في موقف العدو .. لكنهم
في موقف المناقض لسلوك المؤمنين .. فالرابطة معهم قائمة غير مقطوعة و الخروج
عليهم في نفس الوقت أمر مشروع بل واجب على جماعة المؤمنين.
5- الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر:
وهذا الأصل هو قمة العمل السياسي الذي يوجب الثورة المسلحة على الإنحراف في
المجتمع عن أصول العدل التي حرص على الدعوة إليها وتأكيدها دين الإسلام.
وفي موقفهم هذا وقف معهم الزيدية و الخوارج و كثير من المرجئة.. حيث قالوا جميعا:
"ذلك واجب إذا أمكننا أن نزيل بالسيف أهل البغي ونقيم الحق و اعتلوا بقول الله
تعالى"وتعاونوا على البر والتقوى" وبقوله "فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله"
وقوله "لا ينال عهدي الظالمين" إلخ.
خصومهم بالأساس في هذا الموقف كانوا أهل الحديث-السلفية- حيث قالوا: "السيف
باطل ولو قتلت الرجال و سبيت الذرية و أن الإمام قد يكون عادلا ويكون غير عادل
وليس لنا إزالته و إن كان فاسقا و أنكروا الخروج على السلطان ولم يروه"
الجميع أثبت الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
واختلفوا في تطبيقه.
حيث رأى أهل الحديث أنه بالقلب أو باللسان ولا يرون الخروج بالسيف.
و الشيعة لم تر ذلك إلا إذا خرج الناطق "المهدي" فإذا خرج وجب سل السيوف حينئذ
معه.
أما بقية أهل السنة وجميع المعتزلة و جميع الخوارج و الزيدية فيرون سل السيوف في
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك.
ومع ذلك وضعوا شروط لإعلان الثورة:
أن يكون الثوار جماعة - أن تتحقق للثورة قوة مرجحة لأسهم إنتصارها - أن يكون
للثوار إمام عادل - عدم الإكتفاء بالثورة عند الإنتصار بل الشروع في تغيير أمور
المجتمع وتجعل السيادة لفكر العدل والتوحيد.
---------------
---------------
خلق الإنسان لأفعاله.
الإنسان خالق لأفعاله ... أي صانع لقدره ... وإنما قدر الله هو الإحاطة و العلم لا
بالجبر.
أفعال الإنسان غير مخلوقة لله. فالأفعال المتعلقة بالإنسان لا يصح أن تتعلق بالذات
الإلهية حيث يستحيل أن يكون فعلا واحدا مفعولا لفاعلين و مقدورا لقادريّن وأثرا
لمؤثريّن.
أفعال العباد من تصرفهم حادثة من جهتهم. وهي ليست من باب الكسب-قول الأشعرية-
ولكن من باب الحدوث. إثبات القصد و الدواعي لفعل الفعل ... للإنسان. و ما أكره
عليه الإنسان فهو غير مسئول عنه وهو ليس بفعل له.
فعل الإنسان لأفعاله هو وصف على جهة الحقيقة ... لا المجاز.
في حين رأى ابن رشد أن أرجع الإرادة إلى اختيار الإنسان في حين أرجع أفعال
الإنسان إلى هذه الإرادة مضافا إليها الأسباب الموضوعية القائمة خارج ذات الإنسان
الفاعل. بل لقد أرجع حتى هذه الإرادة إلى الأسباب الخارجية.
فقال ابن رشد : "الأفعال المنسوبة إليها ... يتم فعلها بإرادتنا و موافقة الأفعال التي من
خارج لها ... وهي المعبر عنها بقدر الله وهذه الأسباب التي سخرها الله من خارج
ليست هي متممة للأفعال التي نريد فعلها أو عائقة عنها فقط ... بل وهي السبب أصلا
في أن نريد أحد المتقابلين"
في المقابل ... رأى المعتزلة أن أفعال الجوارح ... كاليد و اللسان و الأصوات وحتى
الآلام داخلة في نطاق ما يقدر عليه الإنسان و يفعله. تماما كما يقدر على أفعال القلوب
: كالفكر و الإرادة و الإعتقاد.
ويرى المعتزلة أن فعل الإنسان للأفعال أكثر من مجرد إرادة فعل هذه الأفعال ... بل
هو يفعل الشيء المراد نفسه وينسب إليه فعله.
لم يتحرج المعتزلة كما فعل سواهم ... أن يصفوا الإنسان بأنه خالق لأفعاله.
وهذا راجع أصلا لإختلافهم في تعريف مصطلح الخلق.
فهم يرون الخلق الإنساني: الفعل و الصنع على أساس من التقدير و التخطيط السابق
على التنفيذ.
في حين عرف الأشاعرة مثلا الخلق : الإختراع و الإبداع على غير صورة و مثال
سابق ... إيجاد من العدم.
و لما أثبت المعتزلة للإنسان هذا "التقدير" كان إثباتهم له"القدر".
وفي هذا كان سندهم من القرآن (وتخلقون إفكا ...) و (فتبارك الله أحسن الخالقين) و
(أن تخلق من الطين كهيئة الطير) إلخ.
فأي حركة مكتسبة مخلوقة ويجب أن يكون لها خالق .. خالقها قد يكون الإنسان كما أن
خالق الحركة الضرورية هو الله تعالى.
وكما أثبت المعتزلة للإنسان القدرة على الخلق الأفعال ... كان الإنسان مؤهلا عندهم
لإفناء الأفعال كذلك.
فهو يستطيع أن يفني فعل الغير. بل يستطيع إفناء فعل الله -سبحانه- "ذلك أن الواحد منا
يجوز ان يفني فعل الله تعالى الذي هو القدرة ،بفناء الحياة، ... بأن يقتل نفسه. ويجوز
أن يبطل فعل الغير للسكون بتحريك المحل إلخ.. إلخ"
ففعل جريمتي القتل و الإنتحار ... وفعل تحريك المحل الساكن إنما هو خلق الإنسان
الفاعل لهذه الأشياء. وهو ما سيرد بالتفصيل فيما بعد.
بل لقد وصلت بهم الجرأة الفكرية إلى حد وصف الإنسان ب"الإختراع" بالمعنى الذي
كان مستخدما في مباحث العلوم الإلهية في ذلك الحين.
في كل هذا لم يغفل المعتزلة الظروف الموضوعية التي تحيط بالإنسان المريد القادر
المستطيع فليس الإنسان فاعلا في فراغ.
كما أن حريته ليست مطلقة إلى الحد الذي تنتفي فيه القيود و الإلزامات.
كما يرون أن الإنسان إذا قد تضطره ظروف إلى فعل ما لا يريد وفي هذه الحالة حكمه
يفارق حكم الإنسان المختار ويخرج
بذلك من نطاق الكسب ... كما لا يلحقه مدح أو ذم على ما يضطر إليه من أفعال.
وفي نطاق الظروف الموضوعية أيضا ... توصل المعتزلة لما اسموه "اللطف" ومن
نماذجه ... بعثة الله الأنبياء للبشرية.
فقد بعث الله الأنبياء لتقريب الناس إلى الطاعة و إبعاده عن المعصية لكنه لا يعتبر
تمكينا للعبد من الطاعة ولا منعا له من معصية ... فهو مجرد "لطف". فلا يخرج
الإنسان المتعرض للطف من دائرة الإختيار و من ثم فعله متعلق بقدرته و إرادته هو
أيضا.
و من بين المعتزلة مثل الجاحظ من قال أيضا بصيغة جديدة في وصف تلكم الظروف
الموضوعية وتأثيرها على الإنسان وقدرته على الإختيار ... هذه الصيغة هي "الطبع"
... وهي قريبة من الغريزة.
و مع ذلك لا يفيد القول ب "الطبع" ... ما قد يفهم منه من حتمية طبيعية غرائزية ترفع
عن الإنسان الإختيار.
فالإنسان طبع مثلا على حب النساء لكنه منع من الزنى ... حبب إليه الطعام و منع من
الحرام ... كذلك حبب إليه أن يخبر بالحق النافع ويستخبر عنه ومنع الكذب إلخ...
وربما القصد من الطبع هو تفاعلات البيئة مع التكوين الذاتي لكل إنسان الذي يجعل
إختيار معينا محببا إليه أكثر من غيره ... كما قد يهوى بعض الإنسان الهندسة أو
الفنون أو الطب أو طلب الجندية و الحرب أو الملك و السلطان وما شابه. فيصير
إختيارها أسهل و أقرب من غيرها. لكنها مع ذلك تظل إختياره ... و قد يختار نقيضها
ولا مانع لكنه بذلك يكون كمن يحارب طبعه ... وقمع هذا الطبع الكامن بداخله يسري
إليه كما يسري السم في البدن ... فالطبع و اللطف كلاهما لا ينفيان وجود الإستطاعة
ولا قيام الإختيار.
---------------
---------------
أدوات الحرية الإنسانية:
1-المشيئة و الإرادة المستقلة عن مشيئة الخالق و إستطاعته:
أن يكون للإنسان ميل ورغبة في الفعل دون أن يكون ذلك الميل مخلوقا لله -سبحانه-
أي يريد الإنسان بإختياره وقد يكون مراده هذا مرادا لله وقد لا يكون كذلك.
هل يقع في ملك الله ما لا يريده؟
ردوا نعم ولكن ليس على الإطلاق... فإرادة الله على وجهين ...
أحدهما إرادة الحتم. مثل خلق السماوات والأرض و الجبال الأخرى إرادة معها تفويض
وتمكين. مثل قول الله (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا)
فأراد الله من العباد أن يطيعوه و يعملوا له بما ركب فيهم و أحسن به إليهم بالإختيار
منهم لطاعته و الإيثار منهم لمرضاته ...
ومعنى هذا أن الأمر إذا تعلق بالأفعال والمحدثات الخاصة بالخالق والتي لا يستطيعها
الإنسان فالأمر حينئذ لله والإرادة لا تقع لها مخالفة ولا يمكن أن تقع لها هذه المخالفة
من جهة الإنسان.
أما إذا كان الأمر متعلقا بالأفعال و المحدثات التي في نطاق إستطاعة الإنسان ونطاق
قدرته فإن من الممكن أن تقع فيها للإنسان إرادة و أن تحدث و تنفذ هذه الإرادة في
الوقت الذي لا يريد فيه الله هذه الإرادة وهذا المراد.
فإرادة الله في هذه الحالة ليست إرادة حتم و إنما هي إرادة أمر وتوجيه ودعوة معها
تمكين للإنسان لأن يسلك الطريق الذي يريد ويختار ... فملك الله في هذه الحالة يمكن
أن يقع فيه مالا يريد.
ولهذا أيضا عند المعتزلة مشكلة مع القول السائد عند المجبرة خاصة عند الصوفية
"ماشاء الله كان ومالم يشأ لم يكن"
لأن المشيئة كالإرادة أيضا على وجهين ... مشيئة حتم. و أخرى مشيئة أمر معها
تمكين للإنسان و تفويض.
وهكذا حسموا في جرأة نادرة ... الإجابة على أسئلة ظن بها أصحابها أنها قاطعة و
مفحمة للقائلين بالحرية و الإختيار. بمعنى أنه إن الأمر إذا تعلق بالأفعال والمحدثات
التي هي خاصة بالخالق ولا يستطيعها الإنسان ... فالإرادة نافذة لا يمكن أن يقع لها
مخالفة لا من جهة الإنسان ولا غيره.
أما الأمر إذا تعلق بالأفعال و المحدثات التي للإنسان فيها إستطاعة وقدرة ... فإرادة الله
في هذه الحالة ليست حتما ... إنما هي إرادة أمر وتوجيه و دعوة معها تمكين للإنسان
على أن يسلك الطريق الذي يريد ويختار.
وهذا موقف متسق أيضا مع ما عرضناه من قبل لأن هنا يكون عصيان الإنسان
الحادث على غير إرادة الله فيتم رفع حرج إرادة الجور عن الله سبحانه وجل ثناؤه.
كما رأوا أن إرادة الإنسان كما تتعلق بالأشياء الممكنة فهي تتعلق كذلك بالأشياء الغير
ممكنة "مثل أن يهوى الإنسان ألا يموت" وذلك عكس الإختيار فهو خاص بالأشياء
الممكنة وهو لذلك أخص من الإرادة. فكل إختيار إرادة و ليس كل إرادة إختيار.
ورأوا أيضا أن الفعل كي يكون مرادا للإنسان يجب أن تتوافر فيه الشروط الآتية:
**أن يكون المريد عالما بما يفعله ...
**أن يكون له غرض في هذا الفعل ...
**أن يكون هذا الفعل مقصودا بنفسه ... لا أن يكون حدوثه نتيجة من نتائج حدوث غيره.
2- القدرة و الإستطاعة.
هي الأداة التي يحقق بها الإنسان إرادته و إختياره. هي عرض وصفة يتمكن بها الإنسان
من الفعل والترك.
ورأيهم أن الله مكن الإنسان من الإستطاعة... و هذه الإستطاعة قائمة وموجودة في
الإنسان قبل الفعل.
وهي القدرة على فعل الشيء وعكسه وهي قدرة حقيقية لا مجازية ...
هذا لأن بعض المجبرة لا ينكرون وجود الإستطاعة ولكنهم يقولون : إن الإستطاعة
التي "للإنسان" والتي هي قبل الفعل لا تخرج عن كونها "صحة الجوارح و ارتفاع
الموانع" وهذه في حد ذاتها لا تحدث الفعل فهي مجرد إستعداد للإنسان-محل الفعل-
وقبوله لحدوث الفعل وقيامه به ... أما الإستطاعة التي تُحدث الفعل فهي مصاحبة له
وهي من الله.
وهكذا يرى المجبرة أن "الإستطاعة" شيئان: أحدهما قبل الفعل. وهي سلامة الجوارح
و ارتفاع الموانع. والثاني لا يكون إلا مع الفعل وهو القدرة الواردة من الله تعالى
بالعون أو الخذلان وهو خلق الله تعالى للفعل فيمن ظهر منه و سُمي من أجل ذلك فاعلا
لما ظهر منه.
أما مذهب المعتزلة فهو أن القدرة متقدمة لمقدورها ... أي أنها موجودة قبل حدوث
الفعل.
وهي القدرة على فعل الشيء و ضده... أو كما يقولون"أن القدرة صالحة للضدين".
فلو كان توقيت وجود القدرة والإستطاعة مصاحب للفعل ...فقط وهو بتمكين الله ...
كان الله شريك الإنسان في أفعاله.
ويكأن الإنسان طلب ... و أراد و الله نفذ و أثبت بالحذف و الإضافة لهذا الفعل بقدر
التمكين الإلهي للإنسان في إحداثه.
وفي إثبات المعتزلة لقولهم بوجود القدرة والإستطاعة قبل الفعل ... ساق الجاحظ الآية
التالية (قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك و إني عليه لقوي أمين)
واتفقوا أيضا أن القدرة و الإستطاعة في حد ذاتها لا توجب الفعل المقدر ... فالقادر منا
قد يعجز لأسباب عارضة أو لأسباب تتعلق بالفعل ذاته عن إيجاد الفعل.
فقدرة الله منذ الأزل على إيجاد مقدوره لا يغير من اتصافه بها عدم خلقه لهذا المقدور
في الأزل ... وخلقه في وقته.
المعيار دائما هو المشيئة والتقدير والتخطيط. ثم المشيئة مرة أخرى.
فكل شيء في العالم فإنما هو للإنسان ... ولكل مختبر ومختار ولأهل العقول و
لإستطاعة و لأهل التبين و الرؤية ولو استوت الأمور بطل التمييز ... و إذا لم تكن
كلفة لم تكن ثوبة.
فلم الحرج بعد كل هذا أن يُسمى الإنسان خالقا لأفعاله؟
وهو في النهاية حتما لن يستطيع أن يخرج من علم الله والله من فوق الكل محيط سميع
عليم حكيم قدير قيوم.
فالخلاف ليس في القدر ... ليس في هل وقع فعل الإنسان في علم الله قبل أن يخلقه أم لا
... الخلاف هو هل الإنسان يخلق أفعاله بالتالي يعود صلاحها وفسادها عليه وبالتالي
يستحق الثواب/العقاب ... المدح/الذم.
أم أن الله خالق هذه الأفعال و الإنسان مجرد محل حدوث هذه الأفعال ... بالتالي يكون
الإنسان مجبرا من ناحية و يكون الجور والظلم والفساد الآتي من جهة الإنسان هو
خلق الله على الحقيقة فبالتالي ينسب الجور إلى الله الحكم العدل.
وتطبيقاتها الشاملة عندهم في الأمثلة الآتية:
-حرية الإنسان الرسول :
فالرسل عند المعتزلة ... لديهم الحرية في التبليغ عن ربهم ما أمروا بتبليغه إلى البشر.
وفي سياق طرحهم هذا يتم التأكيد على:
1- الجانب الإنساني في أصحاب الرسالات وهو ما يتفق مع تعاليم الإنسان نفسه
وتأكيده على بشرية الرسول.
2- إعلاء شأن الرسل بتقرير دورهم في الجهود التي تمثلت في الرسالات و التبليغ
والتشريع و التنفيذ.
فهم ليسوا مجرد أدوات منفذة لما ألقي إليها به وحي السماء.
وبالطبع فطرحهم هذا متسق مع نظريتهم العامة في منظومة الحرية و الإختيار في
الإسلام.
من هنا أيضا نفهم آيات من قبيل :
"يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته"
-حرية الإنسان العادي في أحواله العادية:
الطاعة و المعصية هما فعل الإنسان الفاعل والدليل على أن فعله -سواء طاعة الله أو
معصيته- فعل الإنسان نفسه و أن الله -جل ثناؤه- لم يخلق ذلك ، اقبال الله عليهم
الموعظة و المدح والذم و المخاطبة و الوعد والوعيد ، وهو قوله : (فما لهم لا يؤمنون)
وقوله : (وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر).
فلو كان الله هو الفاعل لأعمالهم الخالق لها لم يخاطبهم ولم يعظهم ولم يلمهم على ما
كان منهم من تقصير ولم يمدحهم عل ما كان منهم جميل وحسن كما أنه لم يخطاب
المرضى فيقول لم مرضتم؟ أو العميان فيقول : لم عميتم؟ أو الموتى فيقول : لم متم؟
إلخ...
كما أنه لم يمدح ويحمد الشمس و القمر والنجوم و الرياح و السحاب في مجراهن
ومسيرهن فهو لم يمدحهن لأنه هو الفاعل ذلك بهن ... هو مصرفهن ومجريهن و
منشئهن. فكان عدم مخاطبة الله لهؤلاء و مخطابة الإنسان دليلا على أنه خاطب من
يعقل ويفهم ويكسب ... و إنما خاطبهم لأنهم مخيرون.
وفي نفس السياق ... قسم المعتزلة المعارف الإنسانية إلى:
1- معرفة الخالق .. وطريقها العقل الصحيح والقلب النصيح.
2- معرفة العبادات ... حلال/حرام إلخ وطريقها الرسل و الكتب السماوية.
3-المعرفة التي أتت وليدة للتجربة الإنسانية... وطريق تحصيلها هي تجربة الإنسان
في الحياة.
فالمعرفة الإنسانية كسب للإنسان و فعل له ... وليست شيئا مخلوقا فيه أو ملقى إلى
عقله ولبه.
وما نحى بهم هذا المنحى هو قول المجبرة بخلق الأفعال كلها لله بما فيها المعاصي
والكبائر . فكأنهم قد زعموا بأن الله قد كفر بنفسه و أمر بالشرك به و قتل أنبيائه.
وبالطبع الخلفية السياسية حاضرة دائما في هذا الموضوع كما ترون.
-حرية الإنسان إزاء أفعال تبدو ثمرة للغريزة:
وهم يرون أن الهلع والجزع عند الشدائد والمحنن .. وكذلك الشح و المنع عند نيل
الخير ... هذا الأنواع السلوكية رآها العدليون ثمرة لإختيار الإنسان. و أنكروا أن تكون
مظهرا لفعل الخالق في الإنسان.
فالله لم يخلق هلعهم ولا جزعهم ولا جعل فيهم صبرهم ... وإنما أخبر فقط بضعف بنية
الإنسان ... و اختلاف طبائع المربوبين.
-حرية الملائكة و إختيارهم:
يرى المعتزلة الملائكة ... مختارين.
ورآهم المجبرة .. مجبرين.
ودليل المعتزلة على أن للملائكة إرادة و أنهم مختارين هو قوله تعالى:
(... ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل و النهار لا
يفترون إلخ)
وقوله (حتى إذا جاء أحدهم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ..)
وقوله (... عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)
وقوله (بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون).
فالله مدح ملائكته ... و أثبت لهم أفعالهم .. من عدم الإستكبار و التسبيح و عدم الإفتراء
وعدم الإفراط ... و انهم لا يعصون الله و يفعلون ما يؤمرون ... ولا يسبقونه بالقول ...
إلخ إلخ.
ولو لم يكونوا مختارين ... فلم يستحقوا المدح ...ولم يتم إثبات الفعل و إرادة الفعل لهم
لا لله ؟؟؟
-حرية إبليس و إختياره:
وفيه قال المجبرة ... أن إبليس وشروره هي فعل الله و الذي نحى بهم هذا المنحى هو
تفادي المحظور الذي يؤدي إليه القول بأن غير الله قادر على خلق ما لا يريده الله.
أما أهل العدل والتوحيد ... فقاسوا إبليس-فيما يتعلق بهذا الموضوع- على الإنسان و
الملائكة لأنه مثلهما من المخلوقات المميزة المأمورة المكلفة.
ونوجز رأيهم فيما يلي" .. و أعطى الله ابليس اللعين ما أعطاه من الفهم و التمييز لأن
يطيعه ولا يعصيه و أراد أن يطيعه تخيرا و إيثارا لطاعته فكانت هذه إرادة معها تمكين
و إستطاعة و لم يرد أن يطيعه قسرا ولا أن يمنعه من المعصية جبرا فمكنه وهداه ثم
أمره ونهاه ... فرفض-له الويل- تقواه"
--------------------
--------------------
ماذا لله وماذا للإنسان؟
لم يكن إثبات أهل العدل والتوحيد الفعل للإنسان إفتراءا على حرية الخالق أو غل ليده -
سبحانه- عن أن تكون هي العليا في الإيجاد والإعدام.
ويرجع ذلك أساسا لأنهم فرقوا بين فعل الله وفعل الإنسان ... وساقوا على ذلك الأمثلة:
-أفعال الله متصلة ... أما أفعال الإنسان منقطعة :
أفعال الله تتصف بالإتصال والدوام و الإستمرار ... وهي متلاحقة متتابعة في كل شأن
... أما أفعال المخلوقين فهي غير متلاحقة بل هي عن التلاحق عاجزة.
ويزيدون التفصيل فيقولون : أن أفعال الله أولها غير سابق لآخرها ... و آخرها غير
لاحق لأولها ... وهي أفعال موجودات معلومات ثابتات متجسمات ...
أما أفعال الخلق فزائلات غير موجودات بل هن في كل الحالات معدومات.
-خلق الأدوات و إستخدامها :
الأداة من صنع الخالق ... أما إستخدامها فهو فعل الإنسان.
فالله قد خلق آلة النطق لدى الإنسان مثلا من لسان وشفتين ... وأحبال صوتية إلخ.
أما الكلام البشري فهو فعل الإنسان.
كما أنه تعالى خلق للإنسان رجله ليمشي بها ... فمشى.
وخلق الأذن للسمع .. فسمع.
وخلق الأنف للشم .. فشم.
وخلق العين للنظر .. فنظر.
وخلق الفرج للنكاح .. فنكح.
فما ناله الإنسان من كل هذه الأدوات فهو من فعله ... وليس من فعل الله.
- خلق المواد وتصريفها :
حيث فرقوا بين المواد الخام للمصنوعات وبين تحويلها وتصريفها وتصنيعها ...
فجعلوا المادة من خلق الله -سبحانه- ونسبوا للإنسان الصنع والتحويل و التصريف الذي
يصيب هذه المواد.
-خلق الجوهر ... وخلق الأعراض:
الجوهر عندهم هو الأجسام ... و هم متفقين على أن خلق "الأجسام" إنما هو لله-
سبحانه- لا يستطيعه إنسان ولا يستطيع خلق ما هو من جنسه -أي من جنس الأجسام-
كما اتفقوا على أن بإستطاعة الإنسان أن يخلق الأعراض وما هو من جنسها-أي
الأعراض.
-القدرة غير المتناهية ... والقدرة المتناهية:
فقدرة الله غير متناهية لأنه -سبحانه- قادر لذاته بينما قدرة الإنسان متناهية لأنه قادر
بقدرة خلقها الله فيه.
-الآجال .. أيها من الله ؟ و أيها من الإنسان؟:
فرق المعتزلة بين "الموت الطبيعي" الذي هو حق قضاه الله ... وبين "القتل" الذي هو
جرم و ظلم اقترفه الإنسان ضد أخيه الإنسان .. أو اقترفه "الإنسان المنتحر" ضد
نفسه.
فجعلوا الموت الطبيعي فعلا لله سبحانه وتعالى.وجعلوا القتل و الإنتحار فعلا للإنسان.
وتبريرهم في هذا أن الله قد وقت لعباده آجالا وفي نفس الوقت قد جعل فيهم قدرة أن
يقتل بعضهم بعضا.(ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) فنهاهم عن قتل النفس إذا
علم أنهم عليه مقتدرون. ولا يمكن نهي الإنسان عن شيء لا يستطيعه أو ليس بمقدوره
.. لأن نهي الإنسان عن الطيران مثلا مستحيل في اللغة واللسان والبيان.
وفي قوله تعالى (ومن قُتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان
منصورا ..)
فلو كان قُتل بأجله فأين الظلم ممن قد استوفى كل أمله وفنيت حياته وجاءت وفاته
وفنيت أرزاقه وانقضت أرماقه؟!!!
و أمام القول بأن رجلا إذا ما ضرب السكين ضربة واحدة في نحر عبد مسكين فمات
...
فهل يشهد الناس أن العبد قتيل هذا الرجل؟ أم أن يقولوا بل نشهد أنه وجأه وجرحه ..
ولا ندري من قتله؟
أم يقولون أن الله هو الذي أتلفه لأنه جاء بأجله؟ ولو لم يأت أجله لدامت حياته وطال
عمره ...
ثم ماذا عن القاتل؟ هي يحكمون بقتله كما قتل العبد المسكين؟
أم يقولون بجرحه جرحا مثله ... فإن مات فذاك و إن سلم تركوه لعلمهم أن الذي قتل
العبد المسكين هو مجيء أجله وفناء أيامه وإنقضاء آماله؟
أما من قتل نفسه بيده ... أقتلها وهي حية في بقية من أجلها؟ أم ميتة وقد انقضى أجلها؟
فأن قالوا قتلها وهي حية في أجلها فقد أقروا أنه كانت له بقية من عمر فقطعها بيده قلت
البقية أم كثرت.
و إن قالوا قتلها بعد أن فني أجلها ... فكل ما فنى أجله فهو ميت ... و قتل ميت ميتا
مستحيل. وهكذا رأوا أنه "لو لم يقتل المقتول لجاز أن يعيش إلى وقت آخر لأن الله
تعالى قادر على إماتته كما هو قادر على إحيائه ولا وجه لقطع على موت ولا حياة لولا
القتل"فوصلوا لقمة الجرأة والحسم لقضية الآجال عندموا قرروا أن الذي أنهى أجل
القتيل هو القاتل و الذي أنهى أجل المنتحر هو المنتحر ذاته ... إلخ إلخ.
من تطبيقات ونتائج هذا الموقف على حياتنا ... أنه بإستطاعة المجتمع المسلم أن يسعى
في سبيل التقدم الصحي والمعيشي مثلا مؤمنا بأن ذلك سبيل من سبل زيادة متوسط
عمر الإنسان المواطن في هذا لمجتمع وسبل من سبل خفض نسب الوفيات عند الصغار
و الأطفال ... كل ذلك دون ما حرج ديني على العقيدة.
لأن هذا الحرج مصدره فقط فكر المجبرة الذين ينكرون إمكانيات التأثير الإنساني في
تقصير الآجال و إطالتها.
و أيضا إعادة تقييم ما يشهده العصر من جرائم إبادة ومجازر جماعية و من ضحايا
بشرية تتساقط أرواحها تحت نير التعذيب والإرهاب في مواطن النظم التي تعادي
الحرية و الإختيار ... بوصف كل ذلك هو فعل القلة التي تثري وترتفع بواسطة جرائم
الحرب والإبادة و الإضطهاد ... ومن ثم نحدد الفاعل الحقيقي لهذه المآسي التي تعاني
منها الإنسانية ... تمهيدا للحساب.
على حين أن الفكر الجبري يرى في كل ذلك قدرا من الله وقضاء ولا دخل للذين
يسببون هذه المآسي في ما سال من دماء وزهق من أرواح.
-الأموال .. أيها رزق و أيها إغتصاب؟ :
وعلى نفس المنوال في التفرقة بين الموت الطبيعي من ناحية و القتل و الإنتحار من
ناحية أخرى ... فرقوا أيضا في قضية الأرزاق بين ما أحل الله للإنسان ... وبين ما
حرم عليه من متع هذه الحياة.
الحلال رزق للإنسان قدره له وقضي له به.
أما الحرام فهو إغتصاب وسرقة حدثا من الإنسان دون قضاء من الله بهما أو تقدير.
وعلى هذا فإن تبعات الرزق الحلال المقدر من الله هي من نوع الزكاة والصدقة و ما
شرع في الأموال من حقوق معلومات إلخ.
بينما المترتب على الزق الحرام والمال المأخوذ بلا وجه حق ... هو رده لذويه وإقامة
حدود الله على مغتصبيه وسارقيه.
فالله قال (كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم)
وقال (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون
سعيرا)
فعلم أن في خلقه من سيأكل أموال اليتامى عدوانا وظلما فنهاهم عن ذلك ... وحرمه
عليهم وحكم بعذاب السعير لمن استخار ذلك فيهم.
فهل بعد هذا كله يقول المبطلون : إن الله جعل أموال اليتامى لمن نهاه عن أكلها رزقا
؟؟ ثم نهاهم عن أكل ما رزقهم و آتاهم؟؟!!
فأبعاد الحرية والإختيار هنا ثلاثة :
-للظالم إستطاعة وحرية و إختيار. بها يتمكن من إغتصاب ما للآخرين من أموال --
أي أن حريته تتعدى نطاق ما قدره الله له من رزق.
-للمظلوم حرية السعي الدائم الدائب في المطالبة برد حقوقه إليه من المغتصب مهما
طال الأمد على تاريخ الإغتصاب.
-وللحاكم الحرية في أن ينزع من المغتصب ما اغتصب ليرده إلى صحبه بل هو
مطالب بذلك.
وتطبيقات هذا على زماننا ... ما يتعلق بالعدالة الإجتماعية عندما نلاحق مغتصبي
أموال الفقراء و المستضعفين رافضين الإعتراف بوجود حقوق لهم فيها مهما طال الأمد
على تاريخ الإغتصاب .. ومهما توالت من بعد الجيل المغتصب أجيال الأبناء و
الأحفاد.
ومنها أيضا ما يتعلق بتغيير المفاهيم الجبرية الشائعة لدى جمهور العامة مثل قولهم : لا
يأخذ أحد سوى رزقه وهي مفايهم تشيع التواكل والتكاسل وتناهض الجد والطموح ...
فضلا عن تبريرها للمظالم الإجتماعية التي يعاني منها الفقراء.
-علم الله ... والإختيار الإنساني:
فهل كان لعلم الله أصحاب الجنة...وأصحاب النار من تأثير في طاعةالإنسان و
عصيانه؟
وهل كان علمه هذا سببا في تحديد نوع الأفعال التي قدموها ؟
المجبرة أجابوا على هذا السؤال بالإيجاب.
بينما أهل العدل والتوحيد ... قد رفضوا ذلك.
فعلم الله مبني على اختيارهم أفعال أهل الجنة ... أو أفعال أهل النار. فلو علم -سبحانه-
انهم جميعا سيطيعون لحكم و أخبر بأنهم جميعا إلى الجنة ... كما كان سيحكم بانهم
جميعا إلى النار في الحالة العكسية.
فعلم الله وقع على إختيارهم وما يكون من إفعالهم ولم يدخلهم في صغيرة ولم يخرجهم
من كبيرة.
فعلم الله الخاص بفعل الإنسان الذي توفهم فيه المجبرة سببا لأفعال الإنسان رآه أهل
العدل والتوحيد مسببا عن إختيار الإنسان الحر لأفعاله طاعة كانت هذه الأفعال أو
عصيانا ...
فلله علم لا ينكره العدليون وللإنسان إختيار لا يحد من آفاقه هذا العلم الإلهي.
وللمعتزلة في هذا المضمار منهجهم في التأويل لظواهر بعض الآيات التي قد تظهر
الإنسان في حالة المجبر الذي لا حول له ولا طول فيما يصدر من أفعال ... عن طريق
رد هذه الآيات "المتشابهة" إلى الأياث القرآنية "المحكمة" التي زكت فكرة حرية
الإنسان و انتصرت لإختياره مثل :
قوله (أوَ يوبقهن بما كسبوا ويعفوا عن كثير)
وقوله (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ...)
وقوله (والذين كسبوا السيئات ...)
وقوله (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ...)
وقوله (فأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمي على الهدى ...)
وقوله (جزاء بما كانوا يعملون ..)
وقوله (جزاء بما كانوا يكسبون..)
وقوله (فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين..)
ولإبن رشد في هذا موقف متوسط بين الجبرية و المعتزلة
حيث اعتبر أن مراد الشرع إنما هو موقف وسط بين "الجبر" و "الإختيار" و أن
"الجمع" بين طرفي الخلاف هو ما قصده الشرع بتلك الآيات العامة و الأحاديث التي
يظن بها التعارض ...
وعلى هذا فهو رأى أن الإنسان حرا ... لكنها حرية محكومة ومقيدة بالظروف
والملابسات التي تحيط بهذا الإنسان ... فالإنسان حر في الإرادة أم عندما يحاول إنفاذ
هذه الإرادة فإن الشرط الضروري هو إنتفاء العوائق والعقبات المتمثلة في الظروف
المحيطة به والخارجة عن نطاق إرادته.
وهو ما جعل رأي ابن رشد يميل أكثر إلى الحتمية ...
---------------------
---------------------
الخير والشر.
يرى المجبرة أن الخير هو ما سماه الله خيرا ... ودعا إليه.
و أن الشر هو ما سماه شرا ... ونهى عنه. وأن الخير والشر معا من خلق الله وصنعه
واقعين بإرادته ومشيئته لأنه لا يقع في ملكه -سبحانه- إلا ما يريده ويشاؤه. ولا دخل
للعقل في كل هذا.
و الأشاعرة يرون أن الأفعال في ذاتها لا توصف ... بأنها حسنة أو قبيحة بل مرجع
ذلك إلى الشرع فما يصفه بأنه حسن أو قبيح فهو كذلك.
و الأشعري يذهب في ذلك إلى: "أن الله لو فعل شيئا نحكم بعقولنا أنه قبيح لما كان
قبيحا فله أن يخلد الأنبياء في النار والكفار في الجنة لأن إرادته مطلقة وهو المالك في
خلقه يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد. فلو أدخل الخلائق بأجمعهم الجنة لم يكن حيفا و لو
أدخلهم النار لم يكن جورا"
فالله في نظر الأشعرية يريد الشر والخير ... الحسن والقبيح.
وكلا الموقفين -من المجبرة أو الأشعرية- هو أثر من آثار إنكارهم حرية الإنسان
واختياره وخلقه لأفعاله.
أما المعتزلة فكعادتهم ميزوا بين أمرين ...
بين ما هو حسن في ذاته يدرك العقل حسنه ويحكم به بصرف النظر عن التشريع و
التكيف .. وبين ما هو حسن للامر به والدعوة إليه. والعكس بالعكس في الشر.
ومن هذا قولهم" أن كل معصية كان يجوز أن يأمر الله-سبحانه- بها فهي : قبيحة للنهي.
وكل معصية كان لا يجوز أن يبيحها الله-سبحانه- فهي : قبيحة لنفسها. كالجهل به و
الإعتقاد بخلافه.
وكذلك كل ما جاز ألا يأمر الله-سبحانه- به فهو حسن للأمر به ... وكل ما لم يجز إلا
أن يأمر به فهو حسن لنفسه"
والأمور التي يكون التحسين والتقبيح فيها بالعقل الإنساني وحده هي التي يتبين فيها هذا
العقل وجوه الحسن والقبح والعلاقة بينها وبين النفع والضرر.
فكل فعل فيه منفعة ولا ضرر منه وانتفت وجوه القبح عنه ... وجب القضاء بحسنه.
فالمعيار إذن معيار المنفعة مع إنتفاء الضرر والقبح. ولعمري هذا هو سبيل العقل
الإنساني في التمييز بين النافع والضار.
وليس المعيار المصلحة الفردية فحسب ... بل إنهم قد اعتبروا مصلحة الآخرين معيارا
لتحديد المنفعة و المضرة.
و من تطبيقات موقفهم الناضج هذا المباشرة : أنهم يرون أن معرفتنا بربوبية الرب و
علمنا بألوهيته لنا ليستا هما علة مسئوليتنا عن أفعالنا ... و إنما علة هذه المسئولية هي
التمييز الإنساني والمعرفة العقلية لوجوه الحسن و القبح في الأشياء والأفعال.
وكما أوصل هذا المعتزلة إلى القول بأن من يصل إلى فعل الحسن و ترك القبيح حتى
ولو لم يرد وجه الله ولم يعرف ذات المنعم عليه-أي حتى لو كان ملحدا- ... لهو من
قبيل التكليف ... وفعله عندهم بهذه الكيفية هو طاعة... ولكنها طاعة لا يراد الله بها.
ومن هذا كله ... كأن رأيهم أن الله لا يريد الشر ولا يخلقه ... و إنما الشر موجود
لإنحراف الإنسان عن إرادة الطاعة بفعله للمعصية و خلقه لها ... فبهذا برروا وجود
الشر ...
---------------------
---------------------
الهداية والإضلال.
وعلى نفس المنوال ذهب كل فريق إلى موقعه المعتاد.
فذهب المجبرة أن الهداية والإضلال هما من الله وهو صانعهما وخالقهما والملقي بهما
في القلوب.
أما أهل الظاهر من المعتزلة فرأوا أن الهدي هديان ::
هدي من الله وهدي منسوب للإنسان ... وكذلك الإضلال.
فالله تعالى أخبر أنه هدى ثمود فلم يهتدوا ...
وأخبر كذلك انه هدى الناس كلهم السبيل ثم هم بعد إما شاكرا و إما كفورا
و أخبر في الآيات الأخرى أنه هدى قوما فاهتدوا ولم يهد آخرين فلم يهتدوا ... فعلمنا
ضرورة أن الهدى الذي أعطاه الله -عزوجل- جميع الناس هو غير الذي أعطاه لبعضهم
ومنعه بعضهم الآخر... وهذا بديهي.
ويرجع هذا لأن لفظ "هدى" في اللغة العربية من الألفاظ المشتركة ...
فهي تأتي بمعنى ... هديت فلانا الطريق.
وتأتي بمعنى ... التوفيق والعون على الخير والتيسير له وخلقه لقبول الخير في النفوس
... فهذا هو الذي أعطاه الله - عزوجل- الملائكة كلهم والمهتدين من الإنس والجن و
منعه الكفار من الطائفتين والفاسقين .. ولو أعطاهم إياه تعالى لما كفروا ولا فسقوا.
على نفس المنوال ميزوا بين هدى الله وهدى الرسول أيضا.
وعلى نفس المنوال كان الإضلال ... نوعين.
إضلال المجرمين و إضلال إبليس لهم من ناحية وبين إضلال الله تعالى لهم من ناحية
أخرى الذي هو إنما يضيق عليه صدره عن قبول الإيمان ... و أن يحرجه حتى لا
يرغب في تفهمه والجنوح إليه ولا يصبر عليه إلخ ... كأنه يتكلف في ذلك الصعود إلى
السماء(فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام و من يرد أن يضله يجعل صدره
ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) وقوله أيضا (يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء)
وأما موقف المعتزلة ممن أولوا الآيات السابقة ...
فهو يرون الإنسان خالقا لأفعاله و من ثم يرون أن الهداية بمعنى سلوك طريق الإيمان
...
فعل للإنسان. كما يرون أن الإضلال-تنكب طريق الهداية- هو أيضا فعل الإنسان وليس
فعلا لله.
ومن ثم فالمستحق للثناء والحمد على الإيمان هو الإنسان المؤمن ... لا الله-سبحانه.
وفي هذا قال أحد كبار المعتزلة "إنني لا أحمد الله على الإيمان ... هو يحمدني عليه
لأنه أمرني به ففعلته وأنا أحمده على الأمر به والتقوية عليه والدعاء له ..."
------------------
------------------
خاتمة.
إن دخول ثلاثة من أصول المعتزلة الخمسة (الوعد والوعيد ،والمنزلة بين المنزلتين،
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) تحت مباحث أصل (العدل) ... والعلاقة الوثيقة
بين مباحث هذه الأصول وبين قضية الحرية و الإختيار بالنسبة للإنسان كل ذلك يؤكد
خطر هذا المبحث و إحتياجنا للنظر إليه ... مرة أخرى بعين جديدة في ضوء ما رأيناه
من العمل الإسلامي في زماننا ...
فإذا أضفنا إلى ذلك أن الأصل الخامس من أصولهم وهو (التوحيد) قد مثل في كثير من
جوانبه و مباحثه جهدا فكريا ونظريا لتحرير "العقل" الإنساني من قيود وتصورات
غير علمية وغير عقلية عن الكون والقوة التي تتحكم فيه وعن نظرة الخلق وتصورهم
للخالق ... أدركنا أن هذا الأصل المتعلق بالتوحيد-والذي حسبه البعض كلاما في إلهيات
لا علاقة لها بحياة الإنسان المادية والسياسية والإجتماعية- إنما هو فكر ذو علاقة وثيقة
بحرية العقل الإنساني وتحرير الإنسان من العبودية للطواغيت.
ومن ثم نستطيع أن نقول إن قضية الحرية و الإختيار بالنسبة للإنسان قد كانت دائما و
أبدا أهم و أعظم و أكبر المحاور الفكرية التي دارت من حولها جميع المباحث الكلامية
لأهل العدل والتوحيد عموما والمعتزلة منهم على وجه الخصوص ...
ومن هنا يأتي هذا البحث الذي نأتي الآن إلى نهايته كي يعرض بمنهج جديد في تناول
صفحات تراثنا وقضاياه أهم قضية عرض لها وناضل في سبيلها هؤلاء الأسلاف
العظام.
وبقدر وفاء هذا البحث بما علقناه عليه من آمال .. يكون إحساسنا بالرضى واقترابنا
من درجة الكمال والتوفيق الذي نبتغيه ...
---------------------------------------------------------------------------------
تم بحمد الله وتوفيقه.
Comments
Post a Comment