"LAWRENCE OF ARABIA ، NAPOLEON , الحشاشين and DUNE" قراءة في التناول العربي و الغربي لظاهرة المهدي الثقافية
المقدمة
لدي ولعٌ متزايدٌ بتتُّبع ظلالِ العقل العربي المسلم على تكوين الوعي الغربي المعاصر ، بدأ منذ مروري على جملةٍ عابرةٍ للفيلسوف الألماني هيجل في كتابه "محاضرات في فلسفة التاريخ" عن الإسلام بوصفه "روح التنوير في العالم الشرقي" ، ثم تعمَّق بعد الإطلاعِ على بقية تقييماته المتأرجحة للإسلام وعالمه ، متناثرةً في بقية إنتاجه المعرفي.*
صِيغَ العقل العربي منذ مهدِ الإسلام إلى ذروةِ تألُّقِهِ واكتمال استيعابِهِ له حول مبدأ الفكرة الشاملة ، فإلهُّهُ ليس إلهاً قومياً وإنما هو اللهُ رب العالمين و نبيُّه كذلك رحمةٌ للعالمين ، فقام بتفعيل ذلك المبدأ في كاملِ شئونِ حياته ، معارفه ومجالات حركتِه و تعامله مع الآخرين بل وحتى في أنساقهِ الإجتماعية ، و اعتنق النقدَ الإجتماعي لكل من أفعالِ السلطة والموروثات القومية كمفهوم وممارسة للمبدأ الإبراهيمي في الإنتصارِ للحق والعقل والقيمة ولو على حساب الولاءِ القوميِّ للمجموع ، فكان إحتياجُه لاستخدامِ العنفِ وظهورُ التوحشِ فيه محدودَيْن مقارنةً بالمُنتَجِ العقلي للأديان و الثقافات الأخرى.
بحلقتيها عبر بودكاست "أثير/مغارب" ، أدينُ لأديبة روميرو بعظيمِ الفضلِ لإلقائِها الضوء بالوثائق و التفاصيل على مفصل التقاطع العربي الغربيِّ في بوتقة الأندلس ليس بالشكل الذي اعتدنا عليه في السرديةِ العربيةِ لحالة الأندلس ، ولكن من زواية تشكُّلِ الوعي الغربي بذاتِه وفجواته الناتجة عن حذف التأثيرات العربية من تاريخه ، و تناول الأندلس كحالة ٍأوروبيةٍ بالأساس ، وأخيراً إنفتاح العقل الغربي على الفكرة الشاملة بالمفهوم الهيجلي كما انتقلت إليه من العقل العربي وقتئذٍ سواءاً عبر دراستهم للعلوم الأندلسية خاصةً إنتاج كل من ابن خلدون وابن رشد ، أو بالإحتكاك والمعايشة بين العرب والأمازيغ والأسبان أو عبر البعثات الأوروبية في المدارسِ الأندلسيةِ.
في تأملاتٍ قديمةٍ لأفلام أفاتار ، الساموراي الأخير و الراقص مع الذئاب ، كنت أتوقفُ دائماً أمامَ تكرارِ الطرقِ لفكرةٍ بعينِهِا و إلحاحِها بهذا الشكل على الوجدان الغربي ، حيث الإنكار الأخلاقي لدى أفراد غربيين للسياسةِ القومية ِلدولهم التي ما إن تتوافر لها عناصر التفوق المادي والعسكري حتى تشرُع في إجتياح و إستعباد أو إستعمار الأمم الأخرى الأقل تطوراً ، تلك الحالة من الإنكار والرفض التي تبلغ بهؤلاء الشجعان حد التمرُّدِ الصريح بتسخير كل طاقاتهم ، معارفهم وخبراتهم القتالية ليس فقط للإنضمامِ بل و لقيادةِ جهادٍ شرسٍ غير متكافئ ضد دُولِهم الأصلية بعد التبرُّءِ منها ، والتحول عنها بالولاء خالصاً نحو الأمم المقهورة ، إعتناق قيمهم والإلتحام بنسيجهم الإجتماعي.
رأيتُ في الأفلام الثلاثة صدىً بعيداً لذلك المبدأ الإبراهيمي كما فُهِمَ في الإسلام و ظاهرة "الموالي" العربية كنسقٍ قَبَليٍ شِبْه مفتوح يتجاوزٍ روابط الدم يبدو أنهما بشكلٍ ما وجدا طريقَهما عبر الفكرة الشاملة ، مُقابل النسق المُغلق للدولة القومية ومركزيَّته في صياغة العقل الغربي ، فضلاً عن تسلُّل أخلاق الفروسية والنبل و الشرف للحالة الغربية عقب مراحل الصدام الصليبي الإسلامي المتعددة كما رصدَها ريدلي سكوت في فيلميه مملكة الجنة ، وروبين هود.
لا يجب أن يُدهشنا ذلك أو يُثيرُ استغرابَنا ونحن نعلم يقيناً عن مصادرِ الإلهام والإقتباس الغربي من العرب في الأعمال الغربية المؤسسة أمثال كوميديا دانتي الإلهية وتأثره بأبي العلاء المعري في رسالة الغُفران ، أو طرزان و ابن طفيل الأندلسي في حي بن يقظان أو شخصياتٍ عربيةٍ ظهرت في الفن الغربي مثل عُطيل ، رأس الغول في باتمان أو الجزائري خير الدين باباروسا في قراصنة الكاريبي.
في ٢٠٢١ صدر الجزء الأول من فيلم Dune ولم أكن أعلمُ الكثير عن الروايةِ الأصليةِ ، هالني كل هذا الكمِّ للمظاهر العربية الإسلامية في قلب الرواية ، ليس من قبيل الزخارف أو إضفاء الأجواء الإستشراقية ، وإنما بتناولٍ فكريٍ جادٍ وحقيقيٍ يبدو أنه قد تمَّ بعد دراسةٍ مستفيضةٍ وتأمُّلٍ عميقٍ ، تكلَّل بإستدعاء الأسماء والتعبيرات بلغتها العربية بكامل حمولاتها الدلالية و الثقافية كما نعتَنِقُها كعرب ومسلمين في عمل يُصنَّف أنه من أدب الخيال العلمي.
لِمَا علمتُ من تَأثُّرٍ عميقٍ به ، دفعني فضولي واهتمامي المتناميان بDune لمشاهدة Lawrence of Arabia ولم أكن قد شاهدته من قبل أيضاً ، تزامَنَ عرض الجزء الثاني من Dune مع عرضِ مسلسل الحشاشين في رمضان الماضي ومع قراري بالعودة للتدوين على إثر رغبتي في التعليق على قراءة ريدلي سكوت ل Napoleon ، عاد إليَّ نفس الشعور ، أنني أمام إنفعالات وسرديات متنوعة في سياقات مختلفة ومتباينة ، لكن لنفس الفكرة ... مرة أخرى ، نفس ذات الطرق والإلحاح على الوعي.
هي إذاً تجربةٌ طموحةٌ لإقامةِ مقابلةٍ للأعمال الأربعة دُفعةً واحدةً بوضعِها أمام بعضها البعض لما تحمله في ظني من جوهرٍ واحدٍ ، وإستكشاف إمكانية الخروج بقراءةٍ عُظمى دون أن أفقد السياق ، أو أن أفرضه تعسفياً.
أرجو أن يكون قد حالفني التوفيق فيها ، و أن تكون خرجتْ للقاريء في صورةٍ رشيقةٍ و ممتعة ...
LAWRENCE OF ARABIA
بمشاهد الصحراء الخلَّابة ، لحظة دخول ممثل هي الأجمل و الأشهر بتاريخ السينما لعمر الشريف يتهادى من بعيد رويداً متدلياً على جملِهِ مُنْبَثِقاً من نقطةٍ سوداءٍ في الأفق ، إنتهاءاً بإجتماع هذه الكوكبة من الممثلين العظماء في ذروة توهُّجِهِم تحت الإدارة الفذة للإنجليزي ديفيد لين ، تتعرض هذه التحفة السينمائية للحظةِ بزوغِ فَجْرِ الدول والممالك العربية فوق أنقاضِ الإمبراطوريةِ العثمانيةِ من خلال اقتباس سيرة الضابط الإنجليزي T.E.Lawrence وجولاتِهِ بالمنطقة كما دوَّنَها في كتابِهِ "Seven Pillars Of Wisdom".
يبدو الفيلم للوهلةِ الأولى بتكويناتِه البصرية المدهشة بريئاً في ثوبِهِ التاريخي ، لكن سرعان ما يتكشَّف مغزاه الحقيقي الذي يرفعهُ لمصاف الأعمال الخالدة باختيارِهِ لسرد القصة من خلالِ انفعالات لورنس النبوية بعد بِضْعِ خطواتٍ خطاها في الصحراء العربية ، و قناعته بِحَملِهِ عبء الرسالة الإلهية لتخليص أهلها من نير استبداد الإمبراطورية العثمانية.
يبدأُ لورنس رحلتَه بدوافع شعرية ثقافية مع عالم الصحراء الذي ما إن ظنَّ أنه قد تناغم معه ومع دليلِه العربي الحازمي من بني سالم حتى يُباغتُ بمقتلِه بعد أن تجرَّأ وشرب من البئر المُحرَّم على أعضاء قبيلته ، على يد الشريف علي بن الخريش من بني الحارث مالكي البئر.
بعد إفاقته من صدمة الواقع القبلي ، يتمكَّن لورنس من إقناع الأمير فيصل بإرساله مع خمسين رجلاً لعبور صحراء النفود المميتة ومباغتة القوات التركية في العقبة ، تفْقِدُ القافلة أحد أفرادها "قاسم" ، يأمر الشريف علي القافلة باستكمال المسير وعدم الإلتفات ، بفلسفته الإنسانوية يرفُضُ لورنس تَرْكَهُ لمصيرِه خائضاً جدالاً حامياً حول القدر مع علي و يُصرُّ بعناد أنه لا شيء مكتوب ، متحدياً أوامر علي يُغامِر لورنس بحياته مع خادمه للرجوع والبحث عنه.
ينجحُ لورنس فعلاً في العثورِ على قاسم وإنقاذِهِ ، يُستقبَل من القافلة استقبال الفاتحين ، يحمِلُ له الشريف علي الماءَ ويُنزِلُه من على جملِه بنفسهَ ، مُترنِّحاً وهو يكادُ يسقطُ من فرطِ التعب وبعد إثباتِها عملياً يُعيد لورنس على مسامعِ الشريف علي توكيدَ عقيدتِه في أن لا شيء مكتوب.
ينالُ لورنس احترام القبيلة ويتمُّ تعميدُهُ كأحدِ أفرادِها بالرداء العربي ويُصبحُ لقبه اللورنس ، وبعد نجاح مسعاه في التأليف بين القبائل بإقناع شيخ قبيلة الحويطات بالإنضمام بقواته لمهاجمة القوات التركية في العقبة ، يكادُ أن يتبددَ كل شيءٍ بهرجٍ ومرجٍ كبيرين عقب حادثةٍ عبثيةٍ قُتِل فيها أحد أفراد بني الحويطات على يد أحد أفرادِ بني الحارث ، يُصرُّ شيخ الحويطات على تسليم القاتل ، يرفضُ الشريف علي تسليمه لأنه سيكون على قبيلته الثأر له لو تم قتله على يد قبيلةٍ أخرى ، بعد نُذُرِ الإقتتالِ بينهما و محاولاً إنقاذ خطة الهجوم على العقبة يعرِضُ لورنس تنفيذَ القصاص بنفسه لترضية جميع الأطراف ، يتِمُّ تسليم القاتلُ له فعلاً فإذا به ليس سوى قاسم الذي غامر بحياته لإنقاذه ، يُصدَمُ لورنس و بعد إنفاذِهِ القصاص بقاسم يُلقي المسدس فَزِعاً وسط محاولة علي تهدئته بأن ما قام به هو حُكمٌ عادلٌ لا عار فيه.
لن نفهم مغزى الفزَع الذي شعر به لورنس إلا لاحقاً بعد تسبُّبِهِ في مقتل عربيٍ آخر هو أحد خادميه أثناء عبورِه صحراء سيناء للإتصال مع قيادِتِهِ لإبلاغها بنجاح الإستيلاء على العقبة وطرد الأتراك منها ، يُصرُّ لورنس على مصاحبة خادمه في المقصف الانجليزي ومعاملته المعاملة اللائقة في محاولةٍ يائسةٍ للتمسك بما بقي داخلَهِ من قيمٍ أخلاقية وإنسانوية ، يطلُبُ لورنس إعفاءَه من إستكمال مهمته بعد نجاحه في إقناع الجنرال اللنبي بتأمين الأسلحة و الذخائر لها ، بعدِ إصرارِ اللنبي على معرفةِ السبب يُفصحُ عنهُ لورنس بأنه قد تملَّكَتْهُ لذةَ الإستمتاعِ بفعلِ القتل.
في أمتع أجزاء الفيلم ، يعودُ لورنس بعد إقناعِه باستكمالِ ما بدأَهُ ليقودَ القوات العربية في حربِ عصاباتٍ ضد الأتراك ، بمهاجمة وقطع خطوطهم للإمداد والتموين ، بطريقةٍ إعجازيةٍ ووسطِ تفقُّدِهِ لبقايا القطار المحترق ينجو لورنس من الموت المُحقَّق على يد ضابطٍ تركيٍ بعد أن لاح أمامه في فرصةٍ مؤكدةٍ لقنصه ، يمرُّ بلحظاتٍ من استيعاب ما جرى له من بعثٍ ، يَصعدُ فوق القطار التركي المحطم ، يُحلِّقُ بإنتشاء فوق الجميع بشعورِ تَسَامي العناية الإلهية فيه.
يختبرُ لورنس التساميَ الإلهيَ الذي حلَّ فيه وما يمنحهُ لهُ من قدراتٍ خارقةٍ حتى الحدود القصوى فيدخلُ لفلسطين على قدميه رغم تحذيرات الشريف علي الذي ينتَّشِلَهُ بعد ذلك من الوحلِ حيثُ تمَّ إلقائه بعد ضربه و إهانتِهِ في السجن على يد الأتراك.
مدفوعاً بآثارِ إهانته ، وتحت ضغطِ استباقِ بعض العناصر العربية الثأر لأهليهم و قبائلهم من الأتراك ، تُخْفِقُ كل القيم الإنسانوية و الأخلاقية التي انطلق بها لورنس أو الحسابات العقلانية الباردة التي ظلَّ يُذَكِّرُهُ و يتَّرجَّاهُ بها الشريف علي في التوجُّه نحو دمشق كهدف إستراتيجي ، تُخْفِقُ في وقف إنزلاق لورنس بالحالة العربية الوليدة إلى مذبحةٍ دمويةٍ ، ليس بها سوى غريزتي الإنتقام و الإفتراس لفلول الجيش التركي الفار بجرحاه و قتلاه وسط ذُعرِ الشريف علي من هيستريا الدَّمِّ التي جُرُّوا إليها و هُم ببدايةِ تحسُّسِهِم لطريق التحرُّرِ والإستقلال.
يذوي لورنس آفلاً إلى بلدِهِ حاسماً تمزُّقِهِ بين عالمين وثقافتين ليموت كإنجليزي عادي في حادثةِ دراجةٍ بُخاريةٍ عبثيةٍ كما في أول مشاهدِ الفيلم ، بعد أن قام بتعبئة وتحريك أمةٍ من خمولها وتصعيدِها على مسرحِ تاريخ العالم بعد إطلاق الوحش الكامن بداخلها.
NAPOLEON
وسط صخبٍ شديدٍ ، بينما تقومُ الجماهيرُ الغاضبةُ بإنزالِ الهلال من فوقِ قبةِ أحد المساجد و إحلالِهِ بصليبٍ ضخمٍ ، يقولُ لهُ أحد مُرافِقِيهِ : "المورو بنوا غرناطة منذ قرون ، الآن نستعيدُها لكنه نصرٌ مأساويٌ لنا نخسرُ فيه ثقافَةً عُظمى ، يبدو أنه الضريبةُ الحتميةُ اللازمةُ لكل إنتصارٍ ، أليس كذلك ، سنيور كولومبوس؟!" ، يُرينا الإنجليزي ريدلي سكوت إحدى مشاهدِ سقوط غرناطة في فيلمه 1492 conquest to paradise ، وإنطلاق كريستوفر كولومبوس في مُغامرَتِه التي ستقود لاكتشاف العالم الجديد مدفوعاً بالحلم الأوروبي القديم في إيجادِ طرقٍ بديلةٍ للتجارة مع الشرق الأقصى بعيداً عن المنطقةِ العربيةِ وجمارِكِها الباهظةِ ، و بعد الإستقرار على فشلِ الحملات الصليبة المتعددة في تحقيق أهدافها.
في ومضاتٍ مُتعاقِبَةٍ تبدأُ تجليِّات الإنفعال الغربي بالفكرة الشاملة في الظهورِ تِباعاً ، من لحظةِ مكيافيللي ومشروعِ تأسيس الميليشيا الوطنية وتطويرِ الفكرِ السياسي لجمهوريةِ فلورنسا ، للفتوحات الفنية و العلمية و الفلسفية لطلائعِ النهضة الأوروبية ، لمحاولات الأمراء والملوك تبنِّي محاولات هادئة بطيئة للإصلاح من الداخل ، تصطدِمُ جميعُها بالواقعِ الأوروبي المحاصرِ بين الحالة الشعبية بكل خرافاتها وبؤس أحوالها ، وبين إنقضاض المؤسسات الحاكمة في كل لحظةٍ تُطِل فيها برأسِهِا لِلَجْمِهِا و وَأْدِها مبكراً للحفاظ على سُلطانها.
ينفجرُ بركانُ الثورةِ الفرنسيةِ في ذروةِ هذه التفاعلات ، مكتسِحاً في طريقه الملكية و الكنيسة و أرستقراطية النبلاء و مُدشِّناً لمسارٍ دمويٍ يُسفِرُ بعد مآسي عُظمى عن تغيير بِنْيَةِ الدولة و إعادةِ صياغتها بالكامل ، لا أدلُّ من إشتراك و ترابط العقل الأوروبي بأكملِهِ وتعبيرِ ما يجري للثورة الفرنسية عما يموج بداخلِه ، من الإعجاب الإنجليزي الأوَّلي بها الذي رأى فيها الأمل في الإصلاح و بشائرَ انتصارِ العقلِ ضد الخرافة والإمتيازات الإجتماعية.
مُستجمعاً شظاياه بعدَ الصدمةِ الأولى ، يحاولُ العالم القديم الإنتقام من الثورةِ الوليدةِ وإستعادةِ ما انتزعتْهُ مِنه ، و تنقضُّ بقيةِ القوى الاوروربيةِ على فرنسا منتهزةً الفرصة للتَّمدُّدِ على حسابِها ، اقتطاع ما تستطيعُهُ منها و أيضاً لحصارِ الثورةِ ومنعِ إمتدادِها لبلدانِهم ، في ذات الوقت يرى ضابطٌ طموحٌ اللحظة على ماهي عليه وهو على أعتاب مواجهةٍ مفصليةٍ ستُحدِّد نتيجتُها مصيرَه الشخصي والمهني ومعه مستقبل فرنسا ، أوروبا والعالم أجمع.
في طولون ، يتجلَّى تهاوِي المُطلق الإلهي أمام مواجهةٍ تجري لأولِ مرةٍ بغيرِ ظهيرٍ سماويٍ أو إتصالٍ مع جهةٍ ما في عالم الغيب في تمْتمَةِ نابليون بصلاة مبهمة غير مفهومة الوِجْهَة ، جسِّدَها باقتدار خواكين فينيكس حيث أهم مفترق طرق مرَّ به نابليون ، إما يتقدَّمُ لإجتياز الصفوف والترقِّي في لحظة تأسيس عُظمى وإما العودة للصعلوكية الإجتماعية من حيثُ أتى ، يقودُ نابليون بشجاعةٍ وإقدامٍ بالِغَيْن معركة طرد الإنجليز من ميناء طولون ، و إحتفاءاً بلحظةِ التحققِ الأولى يطلبُ إرسالَ دانةِ المدفعِ التي فجرَّت أحشاءِ حصانِه الى أُمِّه
يختارُ ريدلي قالب دراسة الشخصية "character study" لتفسير ظاهرة نابليون ، بتتبُّع أصوله الإجتماعية وحياته العاطفية وأثرِهما في تشكيل الدوافع العميقة في شخصيته ، بين حفزِ أمِّهِ الحاد له و شعورِ العارِ الذي ولَّدَه وظلَّ يدفعُهُ للمواجهةِ والإختراقِ ، وبين جوزيفين زوجته الأرستقراطية و ضغط الإثبات المستمر لذاتِهِ أمامها تأكيداً لجدارته بها ، و بين صعودِهِ لسدةِ الحُكمِ وسط ملوك أوروبا و احتقارِهم العميق له لإفتقادِهِ الدماء الملكية.
يبرُزُ نجم نابليون ويتم تصعيده بتصاعدِ أزمات الواقع الفرنسي ، خاصةً بعد ضربِه الملكيين في شوارع باريس بالمدافع و نجاحِه في إخماد تمرُّدِ فانديميير الشهير ، ليتم بعدها تشكيل حكومة المديرين الخمس.
يتجنَّبُ ريدلي عرضَ وحشية وفظائع حروب فونديه التي كانت تُصِرُّ الحكومات الفرنسية المتعاقبة حتى وقتٍ قريبٍ على إنكارِ حدوثِها و تستبعدُها من التاريخ الرسمي الفرنسي ، و رغم توثيقِ فصولها لا تزال مناهج التعليم الرسمي الفرنسي إلى يومنا هذا تمنعُ ذِكْرَها و تحجبُ وقائعَها.
اندلعتْ حروب فونديه بين الجمهوريين والملكيين عقب عدة إجراءات للحكومة الثورية لمصادرة ممتلكات الكنيسة والنبلاء ، طردِ قساوسةِ الكنيسة البابوية و إحلالِ قساوسةِ الدولة محلهم بالإضافة لقانون التجنيد العام ، لكن ما فجَّرَ شرارتها كان قانون حظرِ مظاهرِ التعبُّد الجماعية و الإغلاق الشامل للكنائس الكاثوليكية ، لتكون أولَ حربٍ تتعرَّضُ فيها القوات النظامية للقهر على يدِ انتفاضةِ الفلاحين ، وأيضاً أولَ حربٍ شاملةٍ في التاريخ الحديث تضُمُّ جميعَ فئات وعناصرِ المجتمع مورست فيها أبشعَ وسائلِ الحلولِ النهائيةِ لمحو و إبادةِ الطرف الآخر وإزالة عناصره من الوجود ، بالأخص النساء والأطفال بصفتهم المورد الرئيسي للمقاومة الفوندية.
معجباً ببسالتِهم ومُطلِقاً عليهم وصفَ "جيشُ العمالقة" يرى نابليون الطبيعةَ الحقيقيةَ التي حملَها تمردِ فونديه ، وأنها ليست موجهة ضد الثورةِ في ذاتِها وإنما نابعة من الشعور بالتهديدِ العميقِ في الحريات الإقتصادية والدينية ، ويرى إمكانية التوفيق بينها وبين الجمهورية ، فيتخذَّ عدةَ إجراءات منها قانون إعلان الكاثوليكية دين غالبية الفرنسيين ، وإعفاء الفونديين من التجنيد.
فهِمَ نابليون الذي قرأ القرآن مترجماً و رأى في النبي محمد رجلاً عظيماً ، دورِ الدين في التنظيم الإجتماعي و الإداري للدولة كما عبَّرَ عنه بِكَلِمَتِهِ المشهورة "بجعلِ نفسي كاثوليكياً فُزْتُ بحرب فونديه ، وبجعلِ نفسي مسلماً أقمتُ نفسي حاكماً بِمِصرَ ، وفي روما استَمَلْتُ قلوب الإيطاليين بالإعتراف بالبابوية ، ولو كنتُ لأحكم أمةً من اليهودِ لأقمتُ هيكل سليمان".
تبعَثُ حكومةُ المديرين بنابليون على رأسِ الحملة الفرنسية إلى الشرق مُفعمةً بآمالها الإستعمارية في إيجادِ الصيغٍة الشاملةٍ لِحُكمِ العالم ، إحتواءِ شعوبهِ بتأطيرِ وتسكينِ ثقافاتِه و أديانِه المختلفة داخل أنساقِها ، يُخاطِبُ نابليون الأزهر بخطابٍ توحيديٍ و يتماهى مع طقوس الصوفية في إحتفالهم بالمولد النبوي ، و في مشهدٍ ساخرٍ عقب معركةِ الأهرام ، يُنصَبُ أمامه تابوت يحوي مومياءَ مُكتشفة ، يقتربُ نابليون بأُذُنِهِ من رأس المومياء كما لو كان ليسمعُ همسَها بمنابعِ الحكمةِ الشرقيةِ أو مُتسلِّماً منها شرعيةَ حُكْمِ مصر ، تلفِظَهُ المومياء وتشيحُ بوجهِهِا عنه لتَهْوِي هامدةً في تابوتِها.
ينْجُو نابليون من الموتِ المحقَّق على يدِ أعضاَء مجلسِ الخمسمائةِ بعد أن كادوا يفتِكُون به ، ليُنفِّذُ إنقلاب برومير العسكري الشهير و يجبِرُهم تحتَ تهديدِ السلاحِ على التصويتِ له قُنصلاً أولً على رأس حكومة القناصل مُنْهِياً بذلك حكومةِ المُديرين الخمس ، لِيُبعَثُ بعد ذلك إمبراطوراً مُنَصِّبُاً لنفسِهُ بنَفسِهِ قيصراً قائلاً قولته المشهورة "عثَرْتُ على تاج فرنسا في الوحل ، انتشلته بنصلِ سيفي وقمتُ بتنظيفِه".
على حد وصفِ ريدلي ، تمتَّع نابليون بحدسٍ قويٍ حدَّ كثيراً من قدرةِ المحللين على الإحاطة الدقيقة بالجوانبِ التفصيليةِ لعبقريته العسكرية في تنظيمِ وإدارةِ الجيوش أو الإستجابةِ الفوريةِ للظروف الطارئة ، يذهبُ الفيلمُ إلى إستلهامه لطَيْفِ جوزيفين الذي يُصاحبُهُ كصقر الإسكندر الأكبر في غزواته كوقودٍ لهذا الحدس ، يبعثُ إليها برسائلِهِ في أحلك المواقف يستمدُ منها حُسْنَ الطالِعِ ، إستيعابَ الواقع و إرادةَ التغلُّبِ على الخصوم و الظروف القاسية.
شهدَ فنُّ الحربِ طفرةً عُظمى على يد نابليون ، حيث تبنَّى استخدام الجيش كآلة ضخمة لسحقِ جيشِ الخصمِ تماماً بالمواجهةِ لا المناورةِ كما كانت عليه الحروبُ قبلَه ، ما تسبب في الإتساعِ الكبيرِ لجبهاتِ المواجهة ، وتحولِّها لمطحنةٍ هائلةٍ للأرواح ، تحولَّتْ اتفاقيات السلام لمُجرَّدِ إلتفافاتٍ و هُدنٍ مؤقتةٍ واكتسبت الحرب النزعةِ الشاملةِ والوجوديةِ ، فلم تعُدُ في أسوأ إحتمالاتِها مغامرة قد تؤدي لخسارةِ مناطقٍ معزولةٍ ، بل أصبحتْ أداةُ الحسم النهائي التي قد تؤدِّي ليس فقط لتغييرِ النُّظُمِ وإسقاطِ العروشِ بل إخراج شعوبٍ و أممٍ بأكملِها من التاريخ باجتياحها ، بعثرةِ ذاكرتها الإجتماعية وتمزيقِ وعيها بذاتها.
بالِغاً ذروةِ التحقُّقِ الذاتيِّ و قمة المجد بانتصارِ الأوسترليتز ، يرقُصُ نابليون مِلءَ قلبِه من السعادة بشعورٍ عارمٍ من التناغُمِ بين مسعاه وبين قوى الطبيعة والعقل معاً ، مؤكِّداً جدراتَه بجوزيفين و فرنسا وواقفاً على قدم المساواة وسط ملوكِ أوروبا ، مؤسِّساً لإمبراطوريته الجديدة تحت اسمِ إتحاد الراين الكونفيدرالي.
تفشلُ جوزيفين في إعطاءِ نابليون الوريث الذي يؤسِّسُ من خلاله سلالتَهُ الملكية الخاصة ، ليقودُ حليفُهُ تاليران وزير الخارجية الفرنسي جهودَ البحثِ عن زوجةٍ له من دماءٍ خالصةٍ تؤمِّنُ له وريثاً من نسيجِ أوروبا الملكي لتخفيفِ عدائيتها ضد فرنسا وبما يضمنُ الوقتَ اللازم لاستقرار الدولة فيها و تأمين مُكتسباتِها.
بطلاقِهِ جوزيفين يُفَضُّ الإقتران مع وقودِ الحدسِ فيتعرض نابليون لهزيمةٍ مُذِلةٍ في روسيا بعد تعبئةِ كلٍ من بولندا أسبانيا إيطاليا سويسرا وبأحلاف مع بروسيا و النمسا ، وبخسائرِ تجاوزتْ المليون قتيلٍ ، يُنفى بعدَها لمنفاه الأول بجزيرةِ ألبا ، حيثُ يحاولُ العودةَ لمرة أخيرة سائراً على قدميهِ معتمداً على شَبَحِ الحدسِ الذاوي و مُتسلِّحاً بالكاريزما القومية وعُمقِ أثرِهِ في نفوس الضباط والجنود الفرنسيين ، بعد عودةٍ قصيرةٍ للملكية في فرنسا.
ينجحُ نابليون في تحريكِ و تعبئةِ الأمةِ الفرنسيةِ وإطلاقِها بوجهِ العالم بعدَ تثبيتِ أركانِ الدولةِ وتوفيرِ صيغةٍ لاستقرار الحكمِ على حساب مأساته الشخصية ، و بعدَ صياغةِ أفكار الثورةِ الكبرى "حرية ، إخاء ، مساواة" داخل إطارٍ واقعيٍ ، من انهاءِ الإقطاع وحمايةِ الملكيةِ الفرديةِ ، الحدِّ من الربا ، هدمِ الجيتوات و التصالح مع الأقليات و إحلالِ كل من القانون و الدستور العام للدولة و البنك المركزي و نظام التعليم القومي ، محل فسيفساء القوانين و المدارس و الأنظمة المالية المستقلَّةِ للأقليات والإقطاعياتِ في الأقاليم المختلفة فضلاً عن ابتكارِ الدرجات العلميةِ لتخريج الموظفين المؤهلين لإدارة بيروقراطيةِ الدولةِ.
تجوبُ الجيوش الفرنسية أرجاءَ أوروبا حاملةً نفسَ هذه الأطرِ و القوانين ، مما يُسهلُ معه تتبعُ و ردِّ جذورِ كل هذه المؤسسات ونظائِرِها بمختلفِ الدول الأوروبية لحقبته الإمبراطورية ، سواء بالفرضِ و التأسيسِ المباشر بوقوعها تحت سيطرتِهِ أو عبر الإقتباسِ و الإستلهامِ ممن ظلَّ مستقلاً.
يفقدُ نابليون الإتصالَ مع أي توفيقات ظرفية أو كونية بموتِ جوزيفين ويتعرض للهزيمةِ النهائيةِ في ووترلو لتتنفسَ أوروبا الصعداءَ ، رغمَ إبدائِه شجاعةٍ مطلقةٍ في إلهامِ ضُباطهِ وجنودهِ وقتالهِ معهم في الميدان غيرَ عابئٍ بسلامتِه الشخصية.
بأفولِ نجمِ نابليون تجتاحُ العالمَ موجةٌ من الإرتداداتِ العُظمى فيتم توحيد إيطاليا لأولِ مرةٍ منذُ سقوط الإمبراطورية الرومانية ، وتجتمعُ ألمانيا تحت الكونفدرالية التي يجدُ فلاسفَتُها ضالَّتَهُم فيه كنبيٍّ للدولةِ ، مُخلِّصٍ قوميٍ ومهديِّ الفكرةِ الشاملةِ على السواء وأيضاً الوريثِ الشرعيِ للإسكندر الأكبر و يوليوس قيصر أنبياءَ الحالةِ الأوروبيةِ العظماء الذين سمَوْا بالعقل الأوروبي إلى الأُفُقِ العالمي للروح.
و في أمريكا اللاتينية تحوَّلَت المجالس العسكرية الإقليمية التي جرى تشكيلَها لاستعادةِ التاج الأسباني لسليل آل بربون الملك فيرناندو السابع على أسبانيا و ممتلكاتها الإمبراطورية بالأمريكتين من الهيمنة النابليونية ، إلى تمرُّدٍ ذو طبيعةٍ قوميةٍ ضد الإمبراطورية الأسبانية ذاتِها انتهى بزوالها ، تحديداً بقيادة الأرجنتيني جوزيه دي سان مارتان ومن معه باستخدام العقائد و التكتيكات التي تعلَّمُوها في خدمتهم كضُباط و جنود بالجيوشِ النابليونية ، أو سيمون بوليفار بتَتلْمُذِهِ المعرفي و الفلسفي على يدِ المدرسة الثورية الفرنسية لروسو وفولتير ومونتسكيو أو الإنجليزية لجون لوك.
تُلَخِّص كلمات نابليون الأخيرة "France , Army , Josephine" الفكرة الشاملة بعد أن عبَّرَت عن نفسها في المُطلق القومي فلم يعُدْ هناك سوى الدولة و لا بعثُ الا لمُستقبَلِها ، إذ تحرَّرَ العقل الغربي من أي قيمٍ أخلاقيةٍ متجاوزةٍ ، قاطعاً الصلة مع أي ظلالٍ أو جذورٍ غيرِ غربيةِ ، ومُدَشِّناً لنظريةِ "عبء الرجل الأبيض" ليبدأ رحلتِهِ في نزعِ القداسةِ و الغموضِ عن كافةِ الظواهر الإنسانية والإجتماعية في العالم أجمع ، ومن ثم إعادة تنظيمِهِ وتشكيلِهِ وفق مفاهيمِهِ العقليةِ المُستحدثةِ ، ومصالحِهِ القوميةِ معاً.
الحشاشين
رُبَّما كان من الأجدرِ تسْمِيَتُه "حسنُ الصبَّاح" ، يجتهدُ مسلسلُ الحشاشين في تتبُّعِ الجذورِ الهشةِ لبنية الدولة بالمنطقة العربية و الإسلامية و البداية الحقيقية لاستهدافها من التنظيمات الإسلاميةِ المناوئةِ على أساسٍ دينيٍّ ، بتقديمِ قراءَةٍ غربيةٍ لشيخِ قلعةِ الجبلِ في قالبٍ أسطوريٍّ ، حسبَ تصريحاتِ مُخرجِ العمل الذي أعرَبَ عن أملِهِ في تقديم قراءةٍ شرقيةٍ للظاهرة في عملٍ آخرٍ.
حَظِيَتْ طائفةُ الحشاشين بما لم تحظْ به أي طائفة أخر من طوائفِ الإسلام من الإهتمامِ الغربيِّ البالغِ بالدراسة و التحليل ، ليس فقط لاتِّخاذِها الإغتيالاتِ السياسيةِ منهجاً اشتهرتْ بِهِ تاريخياً ، ولكن تحديداً بسببِ إبداعِها في مجالِ السيطرة على الوعي و التأثيرِ على الجماهيرِ ، أدبياتِ الطاعةِ المطلقةِ وبرامجِ التجنيدِ ، تكتيكاتِ حربِ العصاباتِ ، أساليبِ الحربِ النفسيةِ من بثِّ البروباجندا و الشائعات ، فنونِ التجسسِ و جمعِ المعلومات ، آليات الإختراق و هزِّ إستقرارِ الدولِ والعقائدِ من الداخل مُمهدةً بذلك الطريق للأفكارِ والأيديولوجيات الفوضوية كما تبلورتْ عالمياً بعد ذلك.
من البدايةِ يبدو حسن الصبَّاح جاهزاً كمُحرِّكٍ أوحدٍ للأحداثِ بلا فكرةٍ واضحةٍ عن أصولِهِ الإجتماعية و الثقافية ، أو تكوينِهِ الفلسفي الباطني و المذهبي الشيعي ، يتناولُ المسلسلُ شخصيتَهِ كظاهرةٍ من صُنعِ الطبيعةِ لا تُشَكِّلُها أحداثَ و ظروفَ زمانِهِ ، تقاطُعاتِ المذاهبِ ، تشابُكَاتِها و صراعاتِها ، مُكْتَفٍِ بحادثٍ عَرَضِيٍّ يسقطُ فيه بالبئرِ صبياً ، لا ينجو منه إلا بعقدِ إتفاقٍ مُبهمٍ مع جهةٍ غيبيةٍ بإنحيازِهِ المُطلَقِ للظلام.
بعد أن ألقتْ الصدفةُ بزيد بن سيحون في طريقِهِ -ليس تماماً كما سنرى- تبدو إرادةُ الصبَّاحِ ومشروعُه واضحين من البدايةِ في الإتصالِ بابن عطَّاش الداعية الإسماعيلي للخلافة الفاطمية الذي ينصحه بالذهاب لمِصرَ مركزِ الإشعاعِ الباطنيِّ في ذلك الوقتِ ليُعلِنَ ولاءَه للخليفةِ المُستنْصِرِ بالله ، يذهبُ إليها فعلاً لكنَّهُ يصطدمُ بالوزير بدر الدين الجمالي وهو في أوجِ إجراءاته التصحيحيةِ للدولةِ ، وإعادةِ تنظيمِها بتفويضٍ شاملٍ من الخليفة لانتشالِها من الشِّدة التي ذاعَ صيتُها بنسبتها إليه.
في مِصرَ ، بوقوفِ بدر الدين الجمَّالي حائلاً دون لقاءه بالخليفةِ المستنصر بالله ، وبعدَ عدَّةِ محاولات ينجحُ الصبَّاح في مقابلة والدةِ الخليفةِ مُظْهِراً قدراتٍ غيرِ طبيعيةٍ في استبصارٍ تفصيليٍّ لرؤاها دونما إخبارٍ من طرفِهِا ، ثم إشفائِها بعدَ ذلك وإستعادتِها لقُدرَتِها على المشيِّ ، لتنضم إلى وقائع : البئرِ ، حديثِهِ العابرِ لزيد بن سيحون عن حلمِهِ بلقائه القَدَرِيِّ بهِ قبل وقوعه ، إنقاذِ المركب بمن فيه وسط أمواجِ البحرِ الهادرِ بعد طردِهِ من مصرَ ، حلمِ سُلَّمِ الجماجم وقتلِهِ المُكَوِّنِ الإنساني في ذاتِهِ كقُربانٍ لميلادِ أسطورة زعيم الحشاشين ، إنفلاقِهِ لِنصفين أمام أعينِ الرقابةِ اللصيقةِ لنظامِ الملكِ ، بثِّهِ لحلم برزك أميد في السجنِ ، وأخيراً قدراته التنبؤية التي ضمَنَتْ الحفاظِ على القلعةِ وطائفتِهِ من الإستهداف المستمر من كل من حولِها ، في سلسلةٍ من المشاهدِ يُحجِمُ فيها المسلسل عن التصريحِ بالإنفعالات و المَلَكَاتِ الروحيةِ للصبَّاحِ كأحدٍ تجلِّياتِ الحالةِ الشيعيةِ الباطنيةِ و أدبياتِ تعزِيزِها بالرياضاتِ التعبديةِ من النُسُكِ كالصومِ و الصلاةِ أو التقشُّفِ والزُّهدِ الشَّخصيِّ ، لا يُعِيدُها حتى كما ذكرتْ كتب التاريخِ إلى فنون السحرِ والشعوذةِ التي أمضى مُعظمِ وقتِهِ بِمصرَ شغوفاً بتَعَلُّمِها ، مُكْتَفِياً بالاعتمادِ على كاريزما الشخصية وحدها كمدخلٍ لتفسيرِ الظاهرةِ و ما تمتَّعَت به من فراسةٍ و ذكاءٍ فذٍّ ، تقديرٍ استراتيجيٍ سليمٍ ، اطِّلاعِه على العلومِ و المعارفِ وتوظيفِها لصالحِ الخرافة.
بما أَحْدَثَتْهُ من اضطرابٍ عظيمٍ بإعلانِ الخالِقِ إلهاً للعالمينَ وليس فقط إلهاً قومياً للمِصريينَ ، قضَتْ صدمةُ إخناتون للأبدِ على أي أملٍ بإعادةِ تأسيسِ سُلالةٍ حاكمةٍ لمِصرَ من دماءٍ ملكيةٍ مصريةٍ ، بعد أن كادَتْ تُطيحُ بكاملِ مؤسساتِ السلطةِ فيها المُرتكِزَة منذ قديم الأزلِ على كلٍ من الرفضِ العقائديِّ للفِكرةِ الشاملةِ و الفرارِ المُزْمِنِ من حَمْلِ أعباءِ العقلِ ، منذُ ذلِكَ الوقتِ ما إن يتمكَّنَ الجناحُ التنفيذيُ للدولةِ المصريةِ من الإستحواذِ على السلطةِ حتى يُنْفِذَ نزْعَتَها الأثيرةَ وهوايتَها المُفضَّلَةِ في تخريبِ و قطعِ الإتصالِ مع أي شرعيةِ حُكمٍ مُستقاةٍ من خارجِها ، سعياً لإحياءِ الأملِ الكهنوتيِّ البيروقراطيِّ القديمِ في التَّشَرْنُقِ بمِصرَ داخلِ جيبٍ معزولٍ عن العالم ، تتفرغُ فيه الدولةُ لاستعادةِ إمبراطوريتِها المُتَوَهَّمةِ بالتمدُّدِ في الفضاءِ الوحيدِ المُمكنِ ، داخلِ أفرادِها تُجدِّدُ رَوْحَها العتيقة بما تستطيعُ سَلْبَهُ من أعمارِهِم و أرواحِهِم تَسْتَعْمِرُهُم بِهِ.
يقودُ الوزيرُ بدر الدين الجمالي إنقلاباً على نزار بن المُستَنصِر باللهِ الوريث الشرعيِّ للخلافة الفاطميةِ يُفضي لقتلِهِ و توليةِ المستعلي شقيقِهِ الأصغر وزوجِ ابنته مكانَهُ ، قاطعاً بذلك تمريرِ السرِ الإلهيِّ للإبن الأكبرِ للخليفةِ وفق النظريةِ الشيعيةِ في الإمامة ، يَدخُلُ المذهب الإسماعيلي بعدَها في أزمةِ إيمانٍ عميقةٍ لتَخرُجَ من جوفِهِ طائفةَ الحشاشينَ التي تسعى لترميمَ الحالة الشيعية بنظريةِ الإمامِ الغائبِ و ذِراعهِ التنفيذيةِ المُتمثِّلةِ في وكيلِهِ الزمانيِّ ، في صدى مُتَجَدِّدٍ لنسقِ العقائدِ المصريةِ القديمةِ.
يتجنَّبُ المسلسلُ التعرُّضَ لفسادِ مؤسستي الحُكمِ العبَّاسية و الفاطميِّة والمناخ المهدويِّ الذي أشَاعَتَاهُ بتأسُّسِهما عليه ، بصفتِهِ الصانعِ الحقيقيِ لظاهرةِ الصبَّاحِ وطائفته كردِّ فعلٍ كونيٍّ و عِقابٍ تاريخيٍّ لتناقضاتِ عصرِهِ ، كذلك لا يوضِّحُ الهيكلَ التراتبيَّ للتنظيمِ المُتنامِي عددياً ، مُتطلباتِ السيطرةِ و تطويرِ مناهجِ التدريب العقائديِّ والروحيِّ أو مصادِرَها التي تَصِلُ بمُنتَسِبِي الطائفةِ لدرجة قتلِ الذاتِ دونِ ترددٍ متى أمرُ زعيمُهم بذلك ، وتم الإكتفاءَ برُتبةِ مُفتاحِ الجنَّةِ التي إدَّعَاها لنفسه فجأةً بلا مُقَدِّماتٍ أو مُسَوِّغاتٍ للأتباعِ في استمرار لهيمنةِ العَرَضِيَّةِ على بناءِ شخصية حسن الصبَّاح.
مُتجاهِلَةً لإستثنائيةِ الأداءِ والتَذوُّقِ الفائقيْنِ للُّغَةِ العَرَبيِّةِ في مدرسَتِها لتلاوةِ و تجويدِ القُرآنِ الكريمِ كبصمةٍ حصريةٍ للهويَّةِ المصريَّةِ ، تعودُ النزعةُ البيروقراطيةُ المصريةُ في التَّشَرْنُقِ لتُطِلَّ برأسِها من جديدِ في قرارِ استخدامِ العامِّيةِ المصريةِ كلغةٍ لمُسلسلِ الحشاشين ، ليس في القرارِ ذاتِهِ فقط ولكن في الفوضى و التخبُّطِ الذي خَرَجَتْ به الصورةُ النهائيةُ ، بين العامِّيةِ التي سادتْ مُعظمَ أجزاءِهِ ، و اللَّغةِ الهجينةِ للاستدعاءاتِ الفقهيَّةِ ، و بين اللحظاتِ النادرةِ من الأُلفةِ والتناغُمِ مع العصرِ التي سُمِحَ فيها للعربيةِ الفُصحى بالحضورِ والتواجُدِ سواءاً على لسانِ المُستنصِرِ بالله الخليفةِ الفاطميِّ المصريِّ -الأولَى دراميَّاً باستخدامِ العامِّيةِ- أو في الإقتباسات الشعرية لعمر الخيام ، في تحقُّقِ فيما يبدو لنبوءةِ طه حُسين "لا أدبُ إلا أدبُ اللغةِ الفُصحى ، والذين يستخدِمونَ العاميةَ ليسوا واقعيين وإنما عاجِزون".
من أسوأِ مدخلٍ ممكنٍ دراميّاً وأخلاقياً باجتياحِ قيمةِ العدلِ كلِّها ، تأتي الجهودِ المُضنيةِ لصنَّاعُ المسلسلِ في حِصارِ الصبَّاحِ و إدانَتِهِ لإنفاذِهِ القصاص على ابنِهِ بعد قتلِه أحدِ مُعلِّميه ، بالشحنِ العاطفيِّ عبرَ شخصيةِ زوجتِهِ دنيازاد أو بتلقينِ الجماهيرِ عبرَ الراوي ، على رأسِ تداعياتِ بناءِ الشخصيِّةِ حول النرجسيِّةِ فقط كدافعٍ أوحدٍ ، أكسَبَها جُموداً و أفقدَها الوقعَ اللازمِ في محطات تطوُّرِها الرئيسيَّة ، من أولِ أمرٍ بقتلٍ يُصدِرُه الصبَّاح ، لتجربَتِهِ الأولى للحشيش و إخفاقِ مشهدِ عرضِها الباهتِ في تحقيقِ رابطِ الإلهام بمشروعِ جنةِ الحشاشينَ ، لانتقاله عقب انتصاره على الجيش السلجوقي من المواجهة المباشرة لطورِ الفوضوية والإختراق من الداخل ، وأخيراً الرَّمزيَّةِ الثقافيةِ لأصولِهِ اليمنيةِ في اتِّخَاذِ الخنجر السلاح الأول للتنظيم.
يظلُّ عمر الخيام أكبرَ الفرصِ الضائعةِ بالعملِ ، حيثُ كان يُفترضُ أن يقوم هو بدور الراوي ، بتأمُّلاتِهِ القَلِقَة ، اقترابِه من جميعِ الشخصياتِ و تنقُّلاتِه داخلِ وخارجِ القلعةِ ، يشُدُّ عصبَ المسلسلِ و يُكسِبُه الترابط بين أجزاءه ، بدلاً من تحوَّلِهِ لعبءٍ و خطٍ زمانيٍ تائِهٍ ، عوَّضَهُ كثيراً الأداءُ الهاديءُ الواثِقُ لنيكولا معوض و طرافَةُ رحلاتِه ِمع صهبان.
كأحد نتائجِ العيوبِ القاتلةِ في التصميم والهندسةِ الداخليةِ ، خَرَجَتْ قراءةُ عبد الرحيم كمال و بيتر ميمي لشخصيةِ الصبَّاح بشكلٍ جعلها تبدو أقربٍ لشخصيةِ السيسي الحاكم الحالي للبلاد ، بالعملِ بدوائرِ المخابرات و الإبداعِ في كتابةِ تقاريرِها ، الملكاتِ الروحيةِ القويَّةِ والأحلامِ ، الطموحِ في السيطرةِ المطلقةِ على الأفرادِ بصياغةِ وعيِهم وتجنيدِهم من داخِلِهم ، و الأخطر من كل ذلك وهو اشتراكِهِما في رؤيةِ طبيعةِ دورِهمِا كمِطرَقَةِ الرب التي يهوي بها على رؤوس العبادِ ، يُطالِباهُم بالحساباتِ المَنسيِّة ؛ لا يُفلِتُ أحدٌ منهما ولا حتى أقربُ الناسِ إليهما ، مُفاديْنِ مكر الخصومِ ، دعواتِ الضحايا و محاولاتهم للإنتقام ، حتى تمامِ إستيفاءِهم لمهامِّهم العقابِيَّةِ ، كما ماتَ شيخُ قلعةِ الجبلِ ميتةً طبيعيةً بعد أن عمَّرَ ٩٠ عاماً قضى مُعظَمَها في مناطحةِ أكبرِ كيانات زمانِهِ بتعبئةِ وتحريكِ ضحاياها وإطلاقِهم بوجْهِ العالَم.
لستُ متأكداً تماماً مع ذلك أن هذا المعنى غيرُ مقصودٍ ...
DUNE
يُقدِّم كثيب مستوى مدهش من براعة الهندسة الداخلية ، إحكامِ السردِ مع الدقة المتناهية في رسم الشخصيات و نسج دوافعها و مراحل تطورها مع الأحداث تأثراً وتأثيراً ، حتى اكتمال تبلورها في صورها النهائية.
يغوص فرانك هيربرت مؤلف الرواية الأصلية بجرأةٍ ودرايةٍ بالغتين في أخصِّ مساحات الأديان و الثقافات والقوميات وأكثرها حميميةً ، مُوظِّفاً فهمه العميق للأفكار المؤسسة لكل منها و كذلك طبيعة التشابك والصراع بينهم كمادة لبناء عالمه وطرح أفكاره وتأملاته حول طبيعة السلطة وموقفه النقدي تجاهها ، مُحاكياً في تجربته الفريدة -التي لا تخلو من غرابة- مسيرة الأديان التوحيدية و مُستلهماً شخوص أنبياءها في محاولة لمد خطوطها لأقصى مدى ممكن صوب مستويات تحققها النهائية وإستقراء أثر ذلك في تشكيل وعي المؤمنين بها و فهم آلياتها في إعادة انتاج الواقع كما نعيشه.
بعد آلاف السنين من زماننا الحالي وقد امتلكت البشرية المعرفة اللازمة للتنقل عبر الفضاء لتنتشر في الكواكب والأنظمة النجمية المختلفة تعرض الرواية للحظة أزمة تواجه مؤسسة حكم هذا العالم المُكوَّن من امبراطور على سدة العرش ، بوصاية تشاورية لنسوية البِنِي جيسريت يحكُم مجموعة من البيوت العظمى ، هبط كل منها في حطِّه و ترحاله من الأرض على كوكب زاخر بالموارد ، ليبدأ التنافس فيما بينهم على استعمار كوكب أراكيس ، بحرارته الشديدة و بيئته القاسية لكنه المصدر الوحيد لمادة ال spice melange أو التوابل اللازمة للتنقل عبر الفضاء ، إطالة العمر و إكساب العقل البشري قدرات ذهنية فائقة ، بما يجعلها المادة الخام الأغلى في الكون.
مادة التوابل يُنتجها ديدان عملاقة يبلغ طولها مئات الأمتار شديدة الحساسية و العدائية لأي تواجد غريب على سطح الكوكب الذي يقطُنُه شعب الفريمين الذين يطلقون على الديدان العملاقة اسم "شيء خلود" ، يقدسونها كونها مصدر إنتاج الأوكسيجين في الكوكب ، ويعيشون معها في توازن بيئي دقيق.
تعود أصول الفريمين لجوَّالة ال zensunni ، عرب ومسلمي مصر عقب تشظِّيهم وتبعْثُرِهِم في أرجاء الكون بحثاً عن وطنٍ جديدٍ بعد جفاف "نيل العروبة" على الأرض -وفق رواية هيربرت التي كُتبت في ١٩٦٥ ، حيث ذروة المد القومي العربي في مصر- حتى حطُّوا على كوكب أراكيس واستوطنوه.
يُدبِّر الإمبراطور مكيدة لآل أتريديس التي يخشى على حكمه من تنامي شعبيتها بين الاسر الحاكمة الأخرى بأدائها السياسي الهاديء و اقتصادها الوافر ، يستبدل بهم آل هاركونين أعداءهم التاريخيين في إقطاعهم أراكيس و إعطاءهم إمتياز استخراج التوابل منها ، يتحالف الإمبراطور مع آل هاركونيين ومع الساردوكار جيش الإمبراطورية سراً لإفشال آل أتريديس في مهمتهم ومن ثم القضاء على آل أتريديس وإستئصال شأفتهم من جذورها بتوصية من البني جيسريت.
على غرار عالميِّ الحشاشين ونابليون ، تعمل مُعضلة البحث عن وريث عمل الرافعة للأحداث ، حيث تخطيط نسوية البني جيسريت الدقيق عبر آلاف السنين لخلط الدماء الملكية عبر زيجات البيوت المختلفة مع عناصرهن ، لتخليق وريث ال"كويساتز هاديراك" من يستعيد ربط الذاكرة الجينية مع ذكور البيني جيسريت الذين تم إبادتهم في مراحل سابقة للإمبراطورية للسيطرة على البِني جيسريت وحصر قوتهم في يد الإمبراطور ، ثم رفع ال"كويساتز هاديراك" أو "الماشيح" على عرش الإمبراطورية بسلطة مطلقة على سائر الحالة البشرية ، يتزامن ذلك مع إحتياج ليتو ، حاكم آل أتريديس لوريث يقود مستقبل شعبه وبلاده.
تخلط جيسيكا سليلة البِني جيسريت وعشيقة ليتو الأوراق ، بتعجُّلِها بدلاً من الإلتزام بدورها في تمرير الدماء الملكية لآل أتريديس باستخدام تقنيات البِني جيسريت في التحكُّم بنوع المولود لتلد له أنثى تكون هي أم الكويساتز هاديراك حسب نبوءة البِني جيسريت ، تُغلِّب جيسيكا حُبَّها لليتو وولعها بالنبوءة بنفس الوقت ، فتعطيه الوريث الذكر الذي يريد.
يُولَد الكويساتز هاديراك مبكراً عن ميعاده قبل إستيفاء البني جيسريت لخطة هندسة الدماء الملكية ، مُتزامِناً مع لحظة تصدُّع وخلخلة عُظمى أو paradigm shift تتهدَّد النظام الدولي لإدارة هذا العالم حال اكتشاف البيوت الأخرى ما حل بآل أتريديس من إبادةٍ لن يكون أيٍ منهم بمأمنٍ منها ؛ ليُنتجا معاً الإعصار الكامل الذي يعصف ببشر هذا العالم.
بمعجزات متتالية ينجو الصبي بول وأمه جيسيكا من الإبادة ، ليجوبا صحراء أراكيس هرباً من ملاحقة الهاركونيين والساردوكار ، سعياً للإلتحام بالفريمين واستكمال مشروع ليتو في التحالف معهم لمقاومة الهاركونيين.
يعتنق الفريمين ال zensunni , ديانة تعود أصولها للمذهب السني في الإسلام مع تأثيرات ورياضات روحية بوذية ، حيث يتنازعهم تياران ، أحدهما أصولي جنوبي يؤمن بنبوءة "لسان الغيب" الذي سيظهر ليحررهم من نير الإستعمار وسيقودهم في عملية تصحيح مناخ آراكيس القاسي وتحويله لجنة عدن Bliss أو Green Paradise باستخدام خزانات ضخمة من المياه تحت الأرض ، نجحوا في توفيرها عبر تقنيات متقدمة وطقوس مُقدَّسة لإستخلاص المياه من موتاهم عبر القرون المتعاقبة انتظاراً للحظة خروج المهدي.
التيارُ الآخرُ قوميٌ علمانيٌ ، "الفيدايكان" يقاوم الإستعمار والإقطاع معاً بثقافة سواسية شعب الفريمين ، فلا دماء ملكية أو تراتبية نُبلاء ولا إضطهاد أو تمييز بين ذكورهم وإناثهم. يرى التيار في النبوءة إحدى آليات السيطرة على الفريمين و التحكم فيهم باستلاب وعيهم من قبل الإستعمار والبِني جيسريت ، وترسيخ ثقافة الخُرافة ، المهادنة والإنتظار فيهم بدلاً من المقاومة الإيجابية والمواجهة المباشرة.
فيما أحَجَمَ مسلسل الحشاشين عن تناولِ جانب الملكات الروحية في ظاهرة حسن الصباح ، و فضَّلَ الخيار الآمن بعرضها كمهارات تخييلية لمحتالٍ ذو فراسةٍ إستثنائيةٍ أو دجالٍ يعرف كيف يصطادُ ضعاف النفوس لإيقاع صنوف الإيهام بهم ، يذهبُ بعيداً كل من هيربيرت وفيلينيوف متخطيين كل الحدود الآمنة ، وبجُرأةٍ بالغةٍ تصل حد الجموحِ يُقررون إثبات الملكات الروحية لدى بول ، من لحظة إنبثاقها فيه وتحريرها من مكامنها عقب إمتحانه من كبيرة البِني جيسريت ب"الجوم جابَّار أو جبَّار القوْم" ، و صدمته بعد معرفته ووعيه بطبيعته الآخرة ، ثم عرْض مراحل تطور تفاعله و إنفعاله برؤاها و إستدعاءها القَدَرَي له ، تلك الطبيعة التي وصفتها أمه بالعقل الشاملِ القادرِ على جَسْرِ الزمان والمكان ، الماضي والحاضر ليقودهم نحو مستقبل أفضل.
يتقلَُّبُ وعيُ بول في تفاعله مع النبوءة بين إغماءه لحظة التعرُّض الأول للتوابل و سماع همس أصوات الأسلاف داخل عقله لتُعلن إستيقاظ الكويساتز هاديراك ، ثم رؤية المقتلة الكونية العظمى التي تتم بقيادته ، فزعه منها و صراخه برفضِ أن يتم ذلك باسمه و لعن أمَّهِ وقومِها و الوحش الذي خلَّقُوهُ فيه.
يمضي بول مُتأرجِحاً بين عدم تصديق الأمر بالكلية وعدِّهِ من قبيل الأساطير أو هلاوس التوابل ، و بين الرفض الأخلاقي لتلاعب البِني جيسريت واستغلالهم للفريمين بتمرير نبوئتهم ونبيهم المنتظر تحت طيات نبوءة لسان الغيب التي قاموا بحقنها فيهم عبر القرون ، و بين بداية الإستيعاب للنبوءة ومحاولة تطويعها أو توجيهها لغرض أخلاقي هو القصاص لأبيه وقومه أو حتى لغرض سياسي بالوصول للإمبراطور و التفاوض معه.
يُجاهد بول لصُنْعِ جيب معزول يُمكِّنَه من التجاهل الكامل للنبوءة ، يصل لتفاهم مع تشاني تُعلِّمه أساليبهم و تكتيكاتهم القتالية ويطعِّمونَها بما يتلقَّونَه من بول مما تدرب عليه من آل أتريديس وفنونهم القتالية ، يقودهم "المؤدب بول أُصول" في مقاومة شرسة و أخلاقية للهاركونيين ، بعد أن تحوَّل بولائِه الكامل للفريمن وقبِلَهُ الفيدايكان والأصوليون معاً كواحدٍ منهم ، يعيش قصة حبه لتشاني كأي شاب في عمرِهِ في أمتع لحظات الفيلم وأكثرها عذوبة ، يبدو سعيداً رائياً تحقُّق سياقه الذاتي الجزئي الذي طالما تمناه هو وأبيه من قبله منذ البداية بعيداً عن كل خُبثِ السياسة ، صراعات البيوت الملكية ، و جبرية النبوءات ، يخلعُ خاتم الملك الذي ورِثَهُ عن أبيه ويُخبره أنه قد اهتدى لطريقه.
بنفس الوقت يعمل ُمحركا الأحداث خلف الستار ، كل من ستيلجار و جيسيكا بنفس التكوين العقلي الغيبي على إذكاء نار النبوءة مزدوجة الوجه ، وتأويل نجاحات المقاومة والتآلف بين بول والفريمن في إثبات تحقُّق نصوص النبوءة و تعزيز سياقها الزمني ، وسط فزع تشاني ، من احتمالات تحول بول وإنزلاقه نحو الطور الطاغوتي السلطوي المظلم.
تهوي مطرقة القدر على بول بكل عنف ، بمغادرة أمه للجنوب وشروعها في التمهيد له عند الأصوليين هناك ، و ظهور جيرني هالك حيث يُريَهُ ترسانة أبيه النووية ويُحفزَه لتفعيل النبوءة واستعمال الفريمن في قتال الهاركونيين و الإنتقام منهم ، يجري ذلك بشكلٍ متزامنٍ مع مهاجمة فيد روثا قُرى الفريمن في الشمال وإبادتها باستخدام المدفعية التقليدية المُحرَّمة ، من ثُمَّ إجبار جميع الفريمن على الإلتجاء للجنوب حيث سيادة الأصوليين ، يستميت بول في محاولة أخيرة للتملص من المصير المحتوم حتى يُحاصَر برؤية أخيرة أن عليه الذهاب للجنوب لإستبصار ما عليه فعله.
يذهب مُضطراً للجنوب وما إن يشرب ماء الحياة حتى تنفتحَ بصيرته بالكامل على الحقائق المنسية أن به نفس الدماء الهاركونينية التي يسعى للقصاص منها ، يموت بول في نفس اللحظة مراتٍ عدةٍ ليُبعثَ بعيون ميتة و وجه باردٍ خالٍ من أي تعبير بعد اكتمال ربط الذاكرة الجينية فيه بين إناث وذكور البِني جيسريت ، و بهيمنة روح الأسلاف عليه بالكامل تُسقَطُ إرادته من خلال بعث الكويساتز هاديراك الكامن به لتبدأ الملاحم.
في ذروة هندسةِ التصميم الذي بَلَغَ مستوى من الدقة والديناميكية لا أعتقد قد تم بلوغها من قبل في أي عمل فني رأيته ، يشترك كل من فيلينيوف و هانز زيمر في صناعة الوقع عميق الأثر اللائق بلحظة التحول العُظمى في مسيرة بول ، بإنتقاله من النسق الأخلاقي الإنساني صوب النسق الطاغوتي السلطوي ، باستدعاء طبول عالم الجيدي برايم كوكب الهاركونين وألوانه الباهتة بكل لا إنسانيته وقسوته ، بعد اعتناق بول غير المنطوق لمنطق الهاركونيين وتفعيله لدماءهم التي تجري في عروقه بعد اكتشاف أنه السبيل الوحيد للنجاة بكل قسوته ، مكره ولا إنسانيته حيث البقاء والرغبة في الإستحواذ التام على كل شيء كهدف يجُّبُ أي قيمة أو إلتزام أخلاقي.
بأداءٍ أسطوريٍ ليتموثي شالومي في مجلس قادة قبائل الجنوب يتمثَّل بول المؤدب أتريديس شخص المهدي في التحقق الكامل لنبوءة لسان الغيب ، متحدياً بملكاته الروحية كل من يستطيع إنكارها عليه ، ينال شرعيته من الفريمن الذين يطلبون منهم إرشادهم وهداية السبيل ، يُعيد تثبيت خاتم وراثته لآل أتريديس وتمثيلهم كدوق على آراكيس ليبدأ تحريك فيالق الفريمين أولاً ضد كل من الساردوكار ، جيش الإمبراطورية ومن ثم إسقاط الإمبراطور ، ثم يتولى هو قتل البارون قصاصاً لأبيه ثم مبارزة وقتل فيد روثا لقطع الطريق على أي خطط أخرى للبِني جيسريت أو أمل في مسار بديل ، ثم إطلاق يد جيرني هالك في القصاص من الهاركونيين بإبادتهم.
ينتهي التفاعل بالتعبئة الروحية الكاملة للفريمن و إطلاقهم في حملة الجهاد العالمي/الحرب الدينية الكونية الشاملة ، Global Jihad حسب الرواية أو Holy war حسب مصطلح الفيلم المُخفَّف لتفادي إثارة مشاعر العرب والمسلمين -كما لو أنه لم يُثِرها بالفعل بما يكفي حتى الآن- ضد قوميات البيوت العظمى بعد رفضهم تنازل "شدام بادي شاه" عن العرش و تصعيد بول محلَّه كإمبراطور بعد تزويجه من ابنته.
لا شيء يصلُح لختام هذا العرض أكثر من المنطق الهيجلي كما تبدَّى في الجدال الأخير بين جيسيكا و كبيرة البِني جيسريت ، حيث تقول لها جيسيكا :
-You should've believed. You chose the wrong side.
لترد عليها كبيرة البِني جيسريت :
-Side?! You of all people should know , there are no sides.
الخاتمة
لا أدري ما الذي كان يتعاطاه هيربيرت ليصلَ لهكذا إستبصارٍ فذٍ ، أو إن كان ذلك كله من قبيل برمجة الوعي كمقدمةٍ ما لخطط الإستعمار في السيطرة و الهيمنة ، أو أنهمُ امتلكوا تقنيةً ما للإطلاع على المستقبل أو تشكيلِه وحفزِه نحو مساراتٍ محددةٍ و مهندسةٍ سلفاً ، خاصةً أن هيربرت ألَّفَ روايته بالتزامن مع التجربة الناصرية في أوجِّها ، التي أعقبَ إنكسارها إطلاق العرب والمسلمين في جهادٍ عالميٍ فعلاً تم توجيهه و توظيفه لصالح الإستعمار الغربي وأجندته ، انتهى بتحويلهم لوحوش تُمزِّقُ ما تبقَّى من أُممهم الجريحة ، كذلك لا أؤمن أن تزامُن عرض Dune مع الحشاشين بهذا الإنتاج الضخم من قبيل الصدفة.
يسهُل تفهُّم دوافع القبول والألفة التي شعر بها الجمهور العربي بأجياله و حالته الراهنة مع عقلانية تشاني واعتبارها المهدي الحقيقي المنوط به تحقيق الخلاص القومي للفريمن كما في إشارة فيلينيوف الخافتة في نهاية Dune ، مقابل لفْظِ التكوين العقلي الخُرافي في حالة كل من ستيلجار وجيسيكا و زيد بن سيحون أو البراجماتي في حالة لورنس ووزير الخارجية الفرنسي كما تمثَّل في إدراكهم لبلوغ الواقع و مذاهبهم ، قبائلهم و دولهم جميعاً ال stagnation أو حد الإنسداد ، وحتمية تجاوز حدود الحالة الإنسانية كلها بأيِ طريقةٍ كانت ، سواء بإستيفاء النبوءات أو فتح آفاق ما وراء العقل عبر الحدسِ أو الحشيش و التوابل وماء الحياة أو نشوة القتل ذاتها لتحقيق إختراق نوعي وجذري في بنية المؤسسات الحاكمة لزمانهم بكل طغيانها وفسادها.
ما بين الإيغال في التمحور القومي حيث عدم الإكتراث بالآخر في الحد الأدنى أو إستباحته و إجتياحه في مستويات التحقق النهائية ، وبين التخطِّي التام للروابط القومية مع ما يُوفِّره من فضاء للتوحش ، إسقاطٍ تامٍ للحواجز و المحرَّمات ، بعثرة الأمم وتكسير القبائل وروابط الدم ، يبرُز كل من T.E.Lawrence , Napoleon , حسن الصباح و Paul Atreides كأربعة وجوه لظاهرة المهدوية ركَّزْتُ في هذه التدوينة على إستعراض ملامحها الأساسية ، محاولاً فهم إنفعالاتهم الداخلية ، مُحرِّكاتهم الغير شخصية وأهدافهم الفوق ذاتية ، في مسيرة اتَّسَمَ أداء كل منهم فيها بالإقدام و الجسارة و الجُرأة في قيادة أمَمِهم وعقائدهم لما وراء أزماتها ، وما نَتَجَ عن ذلك من إعادة تشكيل وتنظيم للعالم ككل.
نفس الأمر يتكرر عند كريستوفر نولان في إنترستلر ، حيث اقترن إكتشاف ميرفي أن أقصى ما يمكن بلوغه بالعقل البشري الأرضي هو نصف الاجابة فقط ، مع ذهاب كوبر لحافة الكون ثم العودة بالنصف الآخر حيث بيانات النِّسَب والثوابت الرقمية الكونية بعد التسامي لما وراء حدود الحالة الإنسانية.
يبدو لي أن ذلك كلَّهُ أصداء لنفس الفكرة لدى هيجل التي عبر عنها بقوله :
"إن قيصر عندما كان مُهدداً بفقدانٍ مركزه الذي رُبما في ذلك الوقت لم يكن على هذا القدر من السمو والتفوق، لكنه مع ذلك كان يتساوى على الأقل مع غيره ممن كانوا على رأس الدولة وكان مُهدداً بأن يستسلمَ لأولئك الذين كانوا على وشك أن يُصبحوا أعداءَه ، هؤلاء الأعداء الذين كانوا في نفس الوقت يسعون وراء أهدافهم الشخصية كان في صفهم "شكلُ" الدستورِ والقوة التي يضفيها عليهم مظهرُ العدالة.
أما قيصر فكان يناضل من أجل الحفاظ على مركزه ومن أجل دوام منصبه وشرفه وسلامته ، ولما كانت قوة خصومه تشمل السيطرة على أقاليم الامبراطورية الرومانية فإن إنتصاره عليهم كان يكفل له السيطرة على هذه الامبراطورية بأسرِها ، فلم يكن مغنمهُ الذاتيُّ فحسب بل إن دافعاً لاشعورياً هو الذي دفعهُ إلى انجازِ ما كان العصرُ ذاته ناضجاً له.
وهكذا أصبح -دون ان يعبأ بشكلِ الدستور- الحاكمُ بأمره للدولة ، غير أن ما ضمن له تنفيذ مَقْصدِه الذي كان في المقام الأول ذا مضمونٍ سلبيٍ ، أعني به أن يصبح الحاكم المطلق في روما كان في الوقت نفسه سمةً ضروريةً قائمةً بذاتها في تاريخ روما والعالم ، فلم يكن مَغنمهُ الذاتيُّ فحسب بل إن دافعاً لاشعورياً هو الذي دفعه إلى إنجازِ ما كان العصر ذاته ناضجاً له.
هكذا الحالُ في جميع رجالات التاريخ العظماء -أولئك الذين تتضمن غاياتُهم الجزئية الخاصة تلك المسائلَ الكبرى التي هي إرادةُ روحِ العالم ، هؤلاء يمكن أن نُسمِّيَهمُ أبطالاً بمقدار ما يستمدون أغراضهم ودورهم لا من مجرى الأحداث الهادئِ والمنظمِ الذي يباركُه النظام القائم وانما من منبعٍ خفيٍ لم يبلُغْ بعدُ مرحلة الظهور أو الوجود الحاضر من تلك الروح الداخلية التي لاتزالُ مختفيةً تحت السطح تضغط على العالم الخارجي وكأنها تضغطُ على قشرةٍ خارجيةٍ وتُمزِّقَهُ إرباً لأنها نواةٌ أخرى غير تلك النواة الموجودة في هذه القشرة.
ولذلك فهم رجالٌ يبدو أنهم يستمدون دافعَ حياتهم من أنفسِهم وتؤدي أعمالهم الى ظهور وضعٍ للأشياء ومركبٍ للعلاقات التاريخية يبدو وكأنه ليس سوى مصلحتهم هم وعملهم هم فحسبْ."**
تملِكُ النبوءةُ عقلاً ذاتياً ، يُراوغُ الجميع و لا يستطيعُ أحدٌ السيطرة عليهِ حتى من أطلقَها ، مع ذلك يبدو أنها تُحفِّزُ خلقَ واقعٍ عقليٍ جديدٍ عبر آلياتٍ وحوادثٍ غامضةٍ ومراحلِ متعددة من التفاعُل ، لا بديل فيها عن تُطويرِ رقابةِ العقل الشامل عليها ، ترقيتِه وتأطيرِه قيمياً قبل تمكينه من المِلاحة العقلية بين ظواهرِها والإنخراطِ في عالَمِها الخَطِرِ ..
لازلتُ أتذكَّر توقُّفي بكثيرٍ من الإستغراب أمام تقييم محمد عمارة لظاهرة "مهدي" السودان في كتابه "تيارات الفكر الإسلامي" فيما نصَّه : "وسواءٌ أكان محمد أحمد قد أدركَ أن تحقيقَ غاياتِه لا بُد له من طاقةٍ عاطفيةٍ و شحنةٍ روحيةٍ تهُزُّ قلوب المؤمنين وتُذْهِلَهُم عن الروابط والقيود التي تشُدَّهم إلى الدنيا ومتاعِها فيُسرعون بسوط الخارقِ المعجزِ إلى الإنخراط في حركته الإصلاحية ، فاخترع أنه هو "المهديُّ" المنتظر اختراعاً .. أو أن الرجلَ قد امتزجت في عقلِه وقلبِه ونفسِه معاناةُ شعبه وأُمَّته بالصوفية التي صنعت لروحه شفافيةً زادت منها رياضاته ففجرت فيه كإنسان طاقاتٍ غير عاديةٍ ولا منظورةٍ ، فرأى ما لا يراه الآخرون وما أنكرهُ عليه الكثيرون ، رأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يعهدُ إليه "بالمهدية" ويكلِّفَهُ بالجهاد .. سواءَ أخذنا بالتفسيرِ الأول، أو اعتمدنا التفسير الثاني -وهو الذي نميلُ إليه- فلقد أعلن محمد أحمد في الأول من شعبان ١٢٩٨ هجري ، ٢٩ يونيو ١٨٨١ ميلادي أنه هو"المهدي" ، ودعا الناس إلى الإيماٍن به ، والهجرةِ إليه ، والجهادِ معه لإقامة الدين ، وتحريرِ البلاد من التُّرك والأجانب وإنقاذ ديارِ الإسلام قاطبةٍ - من "غانة إلى فرغانة" من خطرِ الإستعمار والأتراك."***
لي تجربتان شخصيتان مع عالمي الظواهر المهدوية والنبوءات ؛ الأولى ، نبوءة الجابر ، كنت قد قرأتها من سنين طويلة عن أثر مقطوع أخرجه نعيم عن عبد الله بن عمرو يقول فيه : "يكون بعد الجبارين الجابر ، يجبر الله به أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم المهدي ، ثم المنصور ، ثم السلام ، ثم أمير العصب ، فمن قدر على الموت بعد ذلك فليمت."
بعد أحداث ٢٠١١ ، و الصدام مع الإخوان والإسلاميين بمصر ، قدَّرْتُ في شخص السيسي و ما بدا من لهجة خطابه وقتها ، أنه قد يكون موضع تحقق النبوءة ، عشتُ بما يكفي لأرى بعض ملامحِ تحقق النبوءة من تيسير أوجهِ الحياة المختلفة من طرق وخدمات وانتشال الناس من العشوائيات وشدٍ لعصب الدولة من ترهُّلِها ، جنباً إلى جنبٍ مع تحوَّر النبوءة وإنقلابها إلى الإمام المتغلب في ترويج لحُكمٍ طاغوتيٍ مطلقٍ ، ومشاهدَ إستقبالِ لاجئي العرب والمسلمين الفارين من إنهيار أوطانهم وجحيمِ الحروب الأهلية وهي تتحول لقضية لاجئين تُذكي التعصب القومي ، يستخدمها النظامُ كموردٍ اقتصاديٍ ، وملفٍ سياسيٍ للتفاوض مع الخارج لتثبيت أركانه ، كذلك رأيْتُ إغراق البلاد في المادِّية و الديون و الربا الفاحش و الصرف الباذخ ، والإطباقِ على خناقِ الناس بعد توريطهم ، وفي الأخير تحريك وتعبئة قبائل سيناء تحت قيادة العرجاني قبل نوايا إطلاقهم فيما يبدو.
كلُّ ذلك على النقيضِ من مقاصدِ النبوءة الأصلية المفترضة حيثُ قال الله تعالى : "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ"**** ، ليؤول الأمر بالأخير إلى كونِهِ باعث للقومية الفرعونية الكيمتية على غرار القومية الكمالية بتركيا أو نبوئتي الرايخ الثالث للنازي أو اسرائيل الصهيونية.
الثانية ، نبوءة زوال إسرائيل في عام ٢٠٢٢ في تأويلٍ لآية :
"إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا"*****
في تحدٍ للهيمنة الغربية على النظام الدولي و على غير المتوقع اندلعت في فبراير ٢٠٢٢ حرب روسيا و أوكرانيا ، ليستميت الغرب في الدفاع عن قواعده المتقدمة من شبح الإنهيارات الذي يتهددها ، أخذتْ النبوءةُ عاماً ونصف تقريباً بعد أن ظن الجميع أننا خرجنا من إطارها الزمني أخفقتْ خلالها الطبقة السياسية الإسرائيلية في إيجاد مخرج من الإنسداد الذي تواجِهَهُ ، حتى حدثتْ عملية طوفان الأقصى الجريئة و المباغتة في السابع من أكتوبر الماضي ، و لازلنا نعيش فصول تداعياتها حتى وقت كتابة هذه التدوينة من حرب الإبادة والتهجير التي شنتها إسرائيل بتواطؤٍ دُوَليٍ وإقليميً فيما يبدو أنه يسير فعلاً ليس فقط بإسرائيل وإنما بالنظام والقانون الدولي كله نحو الهاوية٠
مع ذلك و على إثرِ حرب غزة ، انفجرت بوجه الحكومات الغربية خاصة أمريكا وإنجلترا وفرنسا بعضُ مظاهر إنفعال العقل الغربي بالفكرة الشاملة في إعتصامات الجامعات و الأكاديميات الغربية والإحتجاج على وسائل التواصل الإجتماعي ولفْظِ كل من السردية الإسرائيلية و التغطية الإعلامية المنحازة لدولهم ، و في بلدان غربية أخرى على رأسها أسبانيا تناغَمَ كلا الموقفين الرسمي والشعبي في الإدانة الفاعلة لإسرائيل و الدعم الإيجابي للفلسطينيين -من شأنه بالتأكيد أن يرسم الإبتسامة على وجه أديبة- مما أرجو أن تكون هذه التدوينة قد ألقتْ المزيد من الضوء في تتبُّعِ جذوره و تفسيرِه.
قال جمال عبد الناصر ذات مرة :
"إن رسالة الإسلام هي دعوةٌ قُدسيةٌ إلى الحرية ، نزلتْ تطلُبُ من البشر في كل مكانٍ وزمانٍ أن يرفضوا إستغلالَ شعبٍ لشعب ، و استغلالَ طبقةٍ لطبقة ، واستغلالَ إنسانٍ لإنسان ، وتُنادي بمساواةٍ بين الناسِ في العدل ، وذلك معناهُ بغيرِ لبسٍ وبغيرِ شكٍ أن رسالةَ الإسلامِ بالطبيعة معاديةٌ للإستعمار ، وأن رسالةَ الإسلامِ بالطبيعة مُعاديةٌ للإمتيازات الفئوية ، وأن رسالةَ الإسلامِ بالطبيعة مُعاديةٌ للإستغلال الرأسمالي"******
أعتنِقُ نفسَ الرؤيةِ للإسلام.
_________________________
(*) هيجل ورؤيته للإسلام والمسلمين / تحليلٌ وتقويم نقدي ، د. حسن مهر نيا
(**)صفحة ٩٩-١٠٠ من "محاضرات في فلسفة التاريخ" ، هيجل.
(***) صفحة ٢٧٦ من"تيارات الفكر الإسلامي" ، لمحمد عمارة.
(****) النحل (٩٠).
(*****) الإسراء (٧).
(******) من إحدى خُطَبِهِ.
Comments
Post a Comment